تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

دجل

M.Adam
وجيه وهبة 

وجيه وهبة

مساعد سابق لوزير الداخلية، حلَّ ضيفاً على أحد برامج الثرثرة، في قناة تليفزيونية «حكومية».. للأسف. من بين ما حكاه الرجل – بناء على طلب مضيفه.. مقدم البرنامج – حكاية «الدجال» المخاوي والشيخ «الشعراوي». وهي حكاية قصيرة ولكنها مليئة بالدلالات. 

موجز الحكاية أنه (أعني الضيف) – حينما كان مفتشاً للمباحث في شبابه، في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، وبعد عودته من الحج – قام باستبدال «دبلة» الخطوبة الذهبية، وتقلد بدلاً منها «دبلة» من الفضة، وتخلص كذلك من كل الخواتم والسلاسل والإكسسوارات الذهبية.. عدا خاتم واحد، احتفظ به في درج مكتبه.. في مكان عمله. ذات يوم، اكتشف اختفاء الخاتم. لم يستدعِ حضرة الضابط الأدلة الجنائية ورفع البصمات، بل استدعى «دجالاً» معروفاً.. يشاع عنه أنه «مخاوي جان». 

حضر الدجال، ومارس طقوسه وشعوذته، ثم كشف عن اسم اللص سارق الخاتم، وكان هذا اللص هو أحد المجندين الجدد، العاملين في مكتب حضرة الضابط. تم استدعاء المجند، وتم استجوابه، فاعترف بالسرقة. كما اعترف حضرة الضابط، بأن: هذا الدجال هو «الدجال الوحيد اللي لعب في دماغي أنا شخصياً». (على حد قوله).

شعر حضرة الضابط بالاحتياج إلى من يفسر له الأمر. ومن أقدر على التفسير.. تفسير أي شيء، من نجم نجوم تلك الآونة – وإلى اليوم والغد – الشيخ «متولي الشعراوي». طلب صاحبنا من أحد أصدقائه القريبين من الشيخ، أن يتوسط لديه للقائه. وتم له ما أراد. حكى صاحبنا للشيخ الشعراوي حكاية الخاتم والدجال «المخاوي». أنصت «الشعراوي» للحكاية، ثم أقر أن هذا الدجال «مخاوي جن» فعلاً. وحينئذ تساءل حضرة الضابط: لماذا إذن لا نستعين بالجان.. للكشف عن المجرمين، ولكن «الشعراوي»، حذره من ذلك التعاون، لأن الجن غدار لا يمكن الوثوق به. وتوته توته خلصت الحدوتة. 

… حدوتة رجل كان يشغل منصباً أمنياً رفيع المستوى!!

أثناء سرد حضرة الضابط لحكاية الدجال، كنت أتساءل: أهكذا وصل الأمر بإعلامنا الرسمي، فأصبح إعلاماً يروج للخرافات والشعوذة!! وهل بلغ بنا الترف.. حد مناقشة قضايا الجن والعفاريت والعالم السفلي؟ ولماذا يُسمح باستضافة من لا يضيفون للمشاهدين شيئاً، سوى المزيد من تغييب العقول وتسطيحها؟

على المعنيين والمسؤولين عن إعلامنا الرسمي.. أن يدركوا الفارق بين الإقرار بوجود «الجن» و«السحر» و«السحرة» في البنى التراثية الدينية – وهو وجود قابل للتأويل – وبين الإقرار بوجودهم في البنية التشريعية والقانونية. ففي الحالة الأولى.. هو مسألة قد تُعد ضرورية لصحة العقيدة واكتمال الإيمان. أما في الحالة الثانية.. فلا يوجد «جن» ولا عفاريت ولا شياطين ولا ملائكة، في أي بنية قانونية في العالم. ولا يوجد في قانون العقوبات لدينا، مواد تخص اللصوص من الجان، الذين وردت فيهم مرويات من التراث الإسلامي، لعل من أشهرها.. حديث ذلك الجن الذي ضبطه «أبو هريرة»، وهو يسرق الطعام والمال (صحيح البخاري). 

كذلك – وعلى سبيل المثال أيضاً – فإن التاريخ لا يعرف جناية قتل.. اتُّهم فيها «جني»، منذ ما يزيد على أربعة عشر قرناً من الزمان، أي منذ منذ مصرع سيد الخزرج؛ «سعد بن عبادة»، بسهام أطلقها «الجن» على قلبه.

يا له من إعلام بائس، إعلام ضاربي الودع وقارئي الطالع، عبر الكف والفنجان وأوراق اللعب (الكوتشينة). ذلك الإعلام الباحث عن «الترند» وأعلى أرقام مشاهدة.. بأي ثمن كان، إعلام لا يتورع عن بث برامج تشيع الخرافة والمعتقدات الفاسدة، ويستضيف من يسمون «المنجمين» و«المنجمات»، ويروج لهم، و«ينجِِّمهم». إعلام بائس، يخدع البسطاء من الناس، ويمعن في انتهاك العقل والمنطق، متكئاً على غياب مرجعيات وقيادات وظيفية قوية، محترفة، قادرة على المحاسبة، وفرز الغث من السمين، والطيب من الخبيث.

كان العقل البدائي يعتقد في السحر والشعوذة، وفي وجود عوالم سفلية، وقوى خفية.. غير مرئية؛ أياً كانت مسمياتها. هكذا كان الأمر منذ القدم. ولكن مع تطور العقل البشري، والتغيرات البيئية والمناخية – قدوماً نحو عصرنا هذا – عبر العلم، تخلص الإنسان تدريجياً.. من كم كبير من المعتقدات اللاعقلانية الضارة، وأضحى العلم يحرر يوماً بعد يوم، مساحات من العقل البشري، طالما احتلتها خرافات ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا).. بأشكالها البدائية المختلفة. ولقد مرت كل الأمم والجماعات البشرية بمثل هذا التطور.. بدرجات متفاوتة. وبقدر تخلي المجتمعات عن تلك الأفكار والممارسات الميتافيزيقية الضارة، بقدر ما تتفلت من براثن التخلف، وتلحق بركاب التقدم والتحضر.

«ثقافة» الجن والعفاريت والمردة والغيلان، والسحرة والساحرات…الخ، ثقافة موغلة في القدم، هي مرحلة سابقة على مرحلة الأديان، واستمرت بعد ظهور الأديان؛ وإن اختلفت في بعض المسميات والمهام والأشكال، من مجتمع لآخر. وتكاد تلك الثقافة تكون قد اختفت تماماً.. في الدول المتقدمة. أما في عالمنا الثالث، فإنها ما زالت حية تسعى في فضاءات أدمغتنا الفسيحة. ولنا فيها تاريخ من الاجتهاد، ومؤلفات و«هرتلات». فبعض من علماء السلف الصالح، سجل لنا أسماء العشرات من شياطين الجن والعفاريت؛ مثل «عرفة بن شمراخ».. «عسكر بن كنعان».. «عفراء».. «الدرجان بن مالك».. «القفندر».. «قزح».. «ضريس» «خيزب».. «زوال ابن إبليس».. «لاقيس بنت إبليس».. «فقطس».. «زعفران» الزاهد سلطان الجن، وغيرهم الكثير من أسماء، تركها لنا «علماء السلف الصالح». لعلها تنفع المعتقدين في تدخل عالم الجن في عالم الإنس، في حياتنا في يومنا هذا ــ وليس فقط في قصص ألف ليلة وليلة ــ من أمثال فضيلة «الشيخ الشعراوي» وحضرة الضابط المهم. وإعلامنا الهمام. 

والسؤال للقارئ الذكي؛ تُرى كم عدد الدجالين في هذا المقال؟

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة