تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

الخلاف يُفسِد الود والقضية!

M.Adam
عبدالله عبدالسلام 

عبدالله عبدالسلام

ربما كانت مقولة: «الخلاف في الرأي لا يُفسِد للود قضية».. المنسوبة لأستاذ الجيل أحمد لطفي السيد (1872 – 1963)، هي الأكثر اقتباساً وترديداً.. ليس على ألسنة النخبة فقط، بل بين المواطنين العاديين كذلك. لكن التاريخ المصري الحديث شاهد.. على أنه لم يتم ابتذال وتشويه عبارة، والعمل بعكس ما تقول، كما حدث مع تلك المقولة. فالخلاف في الرأي – أو حول قضية – يمكن أن يتحول إلى عراك وتشنج، وإهانات وكراهية.

لم ينجُ من هذا المصير «آباء النهضة». الخلاف بين الأديب مصطفى صادق الرافعي والدكتور طه حسين، بعد صدور كتاب «في الشعر الجاهلي».. عشرينيات القرن الماضي، تحول من خلاف فكري.. يتوقف عند حدود النقد المنهجي، إلى شخصي.. بدأه الرافعي في كتابه «تحت راية القرآن». جرى اتهام طه حسين بالطعن في الدين، والعمالة للمستشرقين. تسبب ذلك في شرخ بين نخب التجديد، والنخب المحافظة.. ما زال مستمراً، ولم يندمل بعد. من يقرأ كتاب «على السَفُّود» – الصادر 1928 – للرافعي، الذي خصصه للهجوم على العقاد، يجد هجوماً لا مثيل له؛ تجاوز النقد الأدبي المعروف، إلى التجريح الشخصي والتشهير.. من اتهام بالسرقة، إلى الحط من القيمة الأدبية، حتى الاتهام بالفساد اللغوي. كلمة «السَفُّود» في عنوان الكتاب.. هي السيخ الحديدي المحمي، المُستخدم لشوي اللحم.

لم يقتصر الأمر على الأدب، بل اتسع إلى السياسة والصحافة وغيرهما. 

«الكتاب الأسود» – الذي أصدره السياسي الكبير مكرم عبيد (عام 1943) ضد «فساد» الزعيم مصطفي النحاس – نموذج لتحول الخلاف إلى صراع ومعارك، يتم خلالها استخدام كل الأسلحة. لكن في ذلك الوقت، كانت هناك قضايا حقيقية، يتم النقاش والاختلاف حولها. وكان لدى أطراف الخلاف.. من القدرة الفكرية والعقلية، ما يجعل النقاش على حدته.. تخرج منه الأفكار والحُجج وما يُفيد الناس. 

الآن – وبعد قرن من الزمان – ورثنا عن الآباء والأجداد.. حدة اللسان وعنف التعامل، لكن بدون منطق أو معنى أو فائدة. خلافاتنا أصبحت شخصية تماماً. كلماتنا طلقات رصاص طائشة.. تنطلق في وجه الآخر دون سبب وجيه. غالبيتنا تمارس ثقافة الإلغاء ضد الآخر؛ وهو أي شخص يختلف معنا. لا نحاول معرفة دوافعه، وماذا إذا كان لديه منطق.. يمكن النقاش حوله أم لا. 

نبدأ معاركنا على «الفيس بوك».. مؤمنين بأننا نمتلك الحقيقة المطلقة، التي تعني إلغاء حق الآخر في الوجود. الخلاف – بدلاً من أن يظل محصوراً في قضية ما – يتوسع ليصبح معركة أخلاقية ووطنية، وحماية للمال العام.

بعضنا يعاني حالة «نرجسية وجودية»، تندمج فيها فكرة الشخص مع ذاته. كل هجوم على الفكرة.. يُرى انتقاصأ من الكرامة الشخصية، واعتداء يتطلب الدفاع بكل الأسلحة.. شرعية أم غير شرعية. 

الآخر المُختلف معنا داخل الوطن، يتحول إلى عدو.. لمجرد أنه اختلف معنا، أو تصرف بشكل لا نوافق عليه. 

نردد كثيراً عبارات احترام الآخر، والتسامح الفكري. لكن غريزة الإقصاء تُسيطر علينا.. عند ظهور بوادر أي خلاف، ولو بسيط. 

للأسف، عُدنا إلى زمن القبيلة. لا نحتشد من أجل قضية.. بل لصالح شخص، أو ضد آخر. شعارنا الحالي: أنا الصواب، والصواب أنا.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة