تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

سحق القانون الدولي

M.Adam
د. أحمد يوسف أحمد  

د. أحمد يوسف أحمد

جعلني تخصصي في علم السياسة – وبالذات في العلاقات الدولية – على اتصال دائم بمحنة القانون الدولي.. الذي يُفْتَرَض أنه يحكم العلاقات الدولية، بينما يشير واقع الحال.. إلى غيابه في معظم الأحوال؛ بسبب غياب «السلطة» المركزية في الساحة الدولية، فيما يسود «قانون القوة» العلاقات الدولية الصراعية. وحتى عندما يُطَبَّق القانون، فإن اللجوء إليه لا يتم.. إلا بعد أن يتأكد طرفا صراعٍ ما من عجزهما عن تحقيق أهدافهما بالقوة، ولأستاذي الدكتور سمعان بطرس فرج الله – رحمه الله – كتاب رائع في هذا الموضوع.. بعنوان «جدلية القوة والقانون في العلاقات الدولية المعاصرة».

وقد تناولت هذا الموضوع من قبل – في سياق تناول قضايا بعينها – لكني أزعم هنا أن العالم.. يمر – في السنوات الثلاث الأخيرة – بمرحلة جديدة من مراحل عدم احترام القانون الدولي، ولعل هذا هو السبب في اختيار عنوان المقال؛ فقد اخترت كلمة «السَّحق»، لأنها «الإزالة، وتغيير الهيئة بالقوة الشديدة». وهذا هو بالضبط ما يحاوله الآن المنخرطون في الاستخفاف التام بالقانون الدولي. كما أن كلمة «السُّحْق» تعني «البعد أو الإبعاد الشديد»، وهي النتيجة التي يمكن أن تترتب على نجاح أعمال من لا يقيمون أي وزن للقانون الدولي في سلوكهم.

ولنبدأ بحرب الإبادة.. التي تشنها إسرائيل على غزة منذ عملية «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر 2023. وبغض النظر عن اختلاف الآراء حول هذه العملية، فإنها – في التحليل الأخير – عملية مقاومة ضد احتلال عنصري استيطاني، يقترب من الـ 8 عقود عمراً، إذا تغاضينا عن الجرائم الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني قبل نشأة إسرائيل – وحتى لو قبلنا بمنطق الدفاع عن النفس الإسرائيلي، فإن القانون الدولي يعرف مبدأ «التناسب»؛ الذي يعمل على إحداث توازن دقيق.. بين الضرورة العسكرية والاعتبارات الإنسانية. وأن يكون الرد متناسباً مع حجم الهجوم المسلح – الذي تعرضت له الدولة – وطبيعته، وليس انتقاماً مفتوحاً. وهذا بدقة هو ما تفعله إسرائيل بقطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى الآن، رغم وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي. فمن الواضح، أنها تهدف لإبادة شعب غزة – أو على الأقل إجباره على مغادرتها – وكذلك تدمير القطاع، بحيث لا يبقى مكاناً صالحاً للحياة.

وتفعل الشيء نفسه في الضفة الغربية (وإن بدرجة أقل).. بدعوى محاربة الإرهاب. وحتى لو كانت الضفة قد شهدت بعض مظاهر المقاومة، فإن العصف بمبدأ التناسب واضح هنا أيضاً، بل إن الاعتداءات اليومية لمستوطني الضفة.. على أرواح أهلها وممتلكاتهم، خير شاهد على كذب منطق الدفاع عن النفس.. الذي تدعيه إسرائيل. وإذا كان بمقدور إسرائيل أن تدعي كذباً.. أنها تدافع عن نفسها ضد المقاومة في غزة والضفة ولبنان، فبماذا تفسر إلغاءها لاتفاق فض الاشتباك مع سوريا 1974؟ أو احتلالها لأراضٍ سورية جديدة شاسعة؟ مع أن النظام السوري الجديد.. لم يدع مجالاً لشك في نواياه السلمية تجاه إسرائيل.

ثم نأتي لانتهاك خطير آخر للقانون الدولي، وهو اختطاف الولايات المتحدة الرئيس الفنزويلي وزوجته.. بعملية عسكرية في 3 يناير الماضي؛ بتهم أمريكية تتعلق بالإرهاب وتهريب المخدرات. وبغض النظر عن صحة هذه التهم، فإن عملية الاختطاف – في حد ذاتها – هي عدوان على سيادة دولة مستقلة، والسوابق في هذا الصدد نادرة، ويكاد اعتقال الولايات المتحدة أيضاً رئيس بنما في 1989، أن يكون السابقة الوحيدة.. المطابقة لواقعة الرئيس الفنزويلي، وهو محتجز الآن، ولا نعلم شيئاً عن سير محاكمته. 

ولا يقل أهمية عن هذه الواقعة، أن الولايات المتحدة تتحكم حالياً بشكل مباشر وكامل في قطاع النفط الفنزويلي، وتسيطر على إيراداته وعوائد بيعه، وتُحول كل هذه العوائد مباشرة إلى حسابات مالية خاصة، تديرها وزارة الخزانة الأمريكية، وتقوم واشنطن بصرف هذه الأموال.. وفقاً لتقديرها ومصالحها الوطنية، وتُخصِّص نسبة غير معلومة من هذه العوائد لتلبية الاحتياجات الفنزويلية. وعموماً، فإن الشفافية غائبة تماماً.. فيما يتعلق بحجم هذه العوائد، ونسب الإنفاق منها. ومن السهولة بمكان، تكييف هذه التصرفات.. باعتبارها فاقدة للشرعية؛ فلا يوجد أي سند في القانون الدولي.. يسمح بالاستيلاء على ثروات دولة أخرى.

أما ثالثة الأثافي.. فهي الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران.. منذ نهاية فبراير الماضي، ويجب أن نتذكر دائماً.. أن هذه الحرب قد شُنَّت من دولتين نوويتين؛ أولاهما أقوى دولة في العالم، والثانية غير منضمة لاتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية، وهي تملك بالفعل سلاحاً نووياً وإن أنكرت ذلك، ويجب أن نتذكر كذلك.. أن إيران توصلت – في 2015 – إلى اتفاق مع الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا، وأن من انسحب من هذا الاتفاق كان هو ترامب في ولايته الأولى في مايو 2018. 

وعلى أي حال فقد ترتبت على الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي الأخير، تداعيات خطيرة.. لعل إغلاق مضيق هرمز كان أهمها. ورغم مذكرة التفاهم التي وُقعت بين الولايات المتحدة وإيران الشهر الماضي، فإن التصعيد قد عاد من جديد، ويُقدم الجدل الدائر حول مضيق هرمز الآن.. تصويراً جديداً لمحنة القانون الدولي؛ فإيران من جانبها تشارك في انتهاك القانون الدولي في هذا الصدد، فرغم أنها ضحية للعدوان، وكان يُفترض فيها الحرص على تطبيق القانون الدولي، ألمحت كثيراً إلى أنها ستفرض رسوماً على عبور مضيق هرمز.. بما يناقض قواعد القانون الدولي للبحار، باعتبار أن المضيق ليس «مصنوعاً».. كقناة السويس – مثلاً – فيتم تحصيل رسوم عند عبورها. 

والأهم من ذلك، أن إيران تفهم المادة 5 من مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة؛ باعتبارها تمنحها وحدها حق الإشراف على الملاحة في المضيق، والحقيقة أنه – حتى لو كان الفهم الإيراني للمادة 5 صحيحاً – فإن هذا يضع المذكرة نفسها في تناقض مع قواعد القانون الدولي؛ حيث إن هذا الفهم يغفل تماماً أن عُمان دولة مشاطئة، ولها كل الحقوق في ممارسة اختصاصاتها على الجزء الواقع من المضيق في مياهها الإقليمية. 

غير أن ذروة عملية سحق القانون الدولي، تمثلت في رد الرئيس الأمريكي على الموقف الإيراني غير القانوني، بأنه سوف يستولي على المضيق، ويفرض عليه رسوم عبور، بل ويتقاضى نسبة 20% من قيمة جميع البضائع المشحونة، ثم تراجع قبل مرور 24 ساعة، واستبدل بهذه الإتاوة.. حديثاً عن اتفاقيات تجارية واستثمارية ضخمة مع دول خليجية. والله وحده يعلم أي البديلين سيجلب أموالاً أكثر للخزانة الأمريكية. والمؤسف، أن كل هذه الانتهاكات لم تثر ردود الفعل الواجبة من دول العالم وتكتلاته القوية، وإذا لم تفاجئنا الأحداث بموضوع يفرض نفسه، فقد يكون التصدي لانتهاك القانون الدولي موضوعاً للمقالة القادمة بإذن الله.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة