تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

يوليو والفرق بين الجدل والعبث

M.Adam
أحمد الجمال

أحمد الجمال

74 عاماً على ثورة يوليو 1952، وما زال البعض يستميت عبثاً.. في اغتيالها وقائدها جمال عبدالناصر، الذي لحق برحاب الله منذ 56 عاماً. وقد كنت – ولأمد طويل، منذ منتصف السبعينيات من القرن الفائت – ضمن الذين بقوا يتصدون للتهجم غير الموضوعي.. على الثورة وقائدها وأفكارها وسياساتها، وعاصرت موجات متوالية من ذلك التهجم، شارك فيها فئات مختلفة.. منها المضارون من الإجراءات التي استهدفت تصفية الإقطاع، وسيطرة رأس المال. ومنها الذين ارتبطت مصالحهم بالعهد الملكي.. الذي سقط. ومنها المنقلبون على كل أفكارهم وكتاباتهم وأشعارهم؛ التي أيدوا فيها الثورة، وكادوا يؤلهون قائدها. ومنها المرتبطون أو التابعون لقوى إقليمية – عربية وغير عربية – بما في ذلك الدولة الصهيونية، والتحالف الأطلسي. 

أما الذين صدروا – في مواقفهم وتقييماتهم – من أرضية موضوعية، تراعى قواعد التحليل العلمي.. القائم على أصول منهجية، لها أدواتها في علم مناهج البحث التاريخي أو الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي؛ فقد بقي السقف المشترك، هو استخلاص الدروس التي تحول دون إعادة إنتاج السلبيات، وتدعم تطوير الإيجابيات. 

وبعد هذه السنين الطويلة، وبعد صدور العشرات من الأبحاث الموضوعية، ونشر وثائق المرحلة.. حتى 1970؛ أجد أنه من العبث الهزلي أن نطلق وصف «الجدل.. والاختلاف.. والحوار»، على ما تنضح به الأوعية البشرية المصابة بالمتلازمة المرضية، التي أطلقت عليها «متلازمة يوليو وعبدالناصر»؛ إذ تُعرَّف المتلازمة – في علم النفس – بأنها مجموعة من الأعراض والعلامات النفسية والسلوكية المترابطة، التي تحدث معاً.. لتشكل نمطاً مميزاً، وتدل على وجود حالة أو اضطراب نفسي معين. ولهذا، فإن الأمر يستدعي العلاج والإشفاق، ولا يمكن أن يكون حواراً أو جدلاً بالمدلول العلمي. 

ثم إن هناك عينة بشرية.. لا أجد وصفاً لها، سوى أنها تصلح حالة دراسة في أكثر من تخصص. وتتوزع العينة بين فئة لم يكن لها أن تتعلم، وأن تعمل، وأن تتحرك اجتماعياً إلى أعلى.. إلا بما قدمته ثورة يوليو وسياسات جمال عبدالناصر؛ في رفع الحد الأدنى للأجور خلال أغسطس 1952، والإصلاح الزراعي الأول خلال سبتمبر 1952، وفي مجانية التعليم – خاصة الجامعي – وتوسيع نطاق التعليم العام، وإنشاء جامعات إقليمية، وتقديم الخدمات الصحية للبشر.. في الوحدات الصحية الريفية، وللبشر والحيوانات في الوحدات المجمعة. ثم فتح المجال للنابهين من أولاد الشعب عامة.. ليدرسوا الهندسة والتكنولوجيا في الفنية العسكرية. 

ونجد تلك العينة.. وهي تدَّعي أن لها أصولاً اجتماعية أرستقراطية أو ميسورة، وأن الثورة لم تقدم لهم شيئاً.. وربما كان ذلك تعبيراً عن عقدة خفية للتمرد على ما يجب على الإنسان الافتخار به. ثم فئة أخرى من الذين عملوا في مؤسسات دولة يوليو، ونظمها المتعاقبة، حتى وصل بعضهم إلى أرفع مستوى في وزارة ما – أي أنه صار وزيراً – وثمة حالة فادحة تجسد تلك العينة، وهي شخص التحق بالعمل في وزارة الخارجية عام 1958، ووصل لموقع الوزير.. ويستمر فيه من 1991 إلى 2001 – أي أنه عاصر الرؤساء ناصر والسادات ومبارك، والوزراء محمود فوزي ومحمود رياض ومراد غالب ومحمد حسن الزيات وإسماعيل فهمي ومحمد إبراهيم كامل وبطرس غالي ومصطفى خليل وأحمد عصمت عبدالمجيد – ولا يذكر التاريخ.. ولا حتى مذكرات ذلك الشخص، أنه اتخذ موقفاً مبدئياً جذرياً ضد السياسات الخارجية لمصر، لا في الحقبة الناصرية أو الساداتية أو المباركية؛ خاصة مع وزراء عبدالناصر – أي محمود فوزي ومحمود رياض – اللذين كانا ينفذان السياسة الخارجية لتلك المرحلة. 

والسؤال هو: طالما وصف ذلك الشخص نظم الحكم منذ 1952.. بأنها غير رشيدة، وأنها قدمت أطباقاً مسمومة للشعب المصري، وأعلن ذلك في ندوات ولقاءات تليفزيونية؛ فأين كان ضميره المهني وضميره الفكري وضميره السياسي وضميره الإنساني.. طيلة 43 سنة هي مدة خدمته لهذه النظم؟! إنها عينة أقرب ما تكون إلى مبدأ «التقية»، وهذا وصف مخفف، لأن الوصف اللائق معروف للجميع. 

ومع مرور ما يصل إلى ثلاثة أرباع قرن إلا عاماً واحداً، فإن الأيام لا تكف عن أن تتصدى لكل تلك العينات.. تتصدى بتثبيت ما يعتبر ثوابت ثورة يوليو؛ وأولها التمسك بوجود الدولة الوطنية.. القائمة على مبدأ المواطنة وعلى العدل والأمن، ثم رفض وجود قواعد أجنبية على التراب الوطني، ورفض الانضمام للأحلاف المتصارعة. وهانحن نرى واقع ومصير الدول.. التي سمحت بوجود قواعد أجنبية، أو انحازت للحلف الأطلسي. إضافة للتمسك بسياسة خارجية.. تتخذ طريقاً مستقلاً منذ أيام الحرب الباردة، وكلنا يذكر الحياد الإيجابي وعدم الانحياز.. منذ مؤتمر باندونج. ثم الإصرار على التنمية الوطنية الشاملة، والسيطرة على الموارد الوطنية، والاتجاه للتصنيع، وتوسيع الرقعة الزراعية. وأختم بما يتواتر من أنباء حول انخفاض مستوى نهر النيل في السودان، وهو ما يعتبره الخبراء.. بداية دورة جفاف وسنوات عجاف، لن ينقذ مصر منها سوى بحيرة ناصر ومفيضاتها، أي السد العالي العظيم، وغير ذلك كثير مما لن تسمح به المساحة.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة