Times of Egypt

الحاجة إلى الرؤوس الباردة

M.Adam
نيفين مسعد

د. نيفين مسعد

انتهى مقال الأسبوع الماضي.. إلى التشكُّك في إمكانية التوصُّل لاتفاق نهائي بين الولايات المتحدة وإيران حول البرنامج النووي. وهو شك.. له ما يبرِّره؛ بالنظر إلى كمِّ التعقيدات التي تحيط بهذه المفاوضات، على نحو يختلف تماماً.. عما كان عليه الحال في بيئة المفاوضات، التي أفضت إلى اتفاق 2015. ورغم ذلك، لم تكن سهلة أيضا. لكن – في الوقت نفسه – فإن التوصُّل لمثل هذا الاتفاق.. يصب في مصلحة الأمن القومي العربي، لأنه يحول دون تجدُّد الحرب التي خبرناها جميعاً.. بكل ما خلَّفته من آثار فادحة على جميع المستويات. ولذلك، فإن العرب معنيون بدعم إنجاز هذا الاتفاق، والاستفادة من الهامش المحدود للتفاؤل بخصوصه.

وتقتضي الموضوعية، القول إن الدول العربية لم تكتفِ بالانخراط منذ البداية.. في الجهود الرامية لتقريب وجهات النظر بين الطرفين الأمريكي والإيراني، لكنها تجاوزت ذلك.. بالعمل الحثيث على تشكيل منظومة أمنية مشتركة.. لضبط العلاقة مع إيران.

وهذه الأدوار العربية منها المُعلن.. ومنها غير المُعلن، كما أن تأثيرات أصحابها.. تتفاوت من وقت لآخر، وهي منفتحة على الأطراف الإقليمية؛ من دول الجوار غير العربي، لتوسيع النطاق الداعم لاستقرار الشرق الأوسط. وذلك أن الحقيقة التي أثبتتها جولتا الحرب في يونيو 2025 وفبراير 2026، هي أن الولايات المتحدة لا توفِّر الحماية لحلفائها، وهي – على أي حال – حقيقة قديمة ومعروفة، وإلا فأين ذهب شاه إيران محمد رضا بهلوي؟

لكن الحرب – بجولتيها – أعادت تأكيدها. 

بناء على ما سبق، يحتاج المسؤولون الإيرانيون إلى التعامل برؤوس باردة.. مع الاستفزازات الأمريكية والإسرائيلية التي لا تنتهي، وأن يركِّزوا على الوصول إلى الهدف الاستراتيچي، والرهان على إمكانية توقيع الاتفاق النهائي، وتطبيع العلاقة بين إيران وبين المجتمع الدولي. فمن قبل حتى أن يتم توقيع هذا الاتفاق، حصلَت إيران من مذكرة التفاهم على مجموعة من المكاسب الضخمة؛ وهو ما يستحق الاستفادة منه والبناء عليه، والتلاقي بخصوصه مع الدول العربية؛ فالحرب تدور على أراضٍ عربية وإيرانية وبدماء من الجانبين. 

ويقتضي التعامل الهادئ مع الاستفزازات المتكررة.. عدم الانجرار إلى حواراتٍ جانبيةٍ؛ كتلك التي تتعلَق بالصواريخ الباليستية، أو بتفتيش المواقع النووية.. التي تم استهدافها عسكرياً، أو بكيفية التصرُّف في الأموال الإيرانية المجمَّدة. فهذا النوع من الحوارات، يصفه رجال القانون بأنه.. غير منتج؛ فمن وراء تحريكه إدارة أمريكية، تحاول تسويق مواقفها المتضاربة أمام الرأي العام الداخلي. وحكومة إسرائيلية، تستميت في قطع الطريق على نجاح المفاوضات. لكن يظل المحك الأساسي، هو أن البنود الأربعة عشر في مذكرة التفاهم، لا تشير بحرفٍ واحد.. إلى أي من هذه القضايا، فلا حديث فيها عن شراء المنتجات الزراعية الأمريكية، ولا عن تقييد البرنامج الصاروخي الإيراني، ولا عن تفاصيل عمل مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وطالما لم تعلن إدارة ترامب انسحابها من مذكرة التفاهم مع إيران، فإنها تظل سارية وواجبة النفاذ، وما عدا ذلك مجرد بالونات اختبار.

واتصالاً بسياسة الرؤوس الباردة وموجباتها.. أن تتعامل إيران – بانفتاح وإيجابية – مع المواقف العربية تجاهها بشكل عام، ومع المواقف الخليجية منها بشكل خاص. فعند الحديث عن بناء منظومة أمنية بمشاركة إيران، لا ينبغي أن ننسى أن هذه الفكرة في الأصل.. هي فكرة إيرانية، لأنها تدخل في صميم موقف إيران.. من رفض الوجود العسكري الأجنبي في الخليج. ولئن ظلت الفكرة الإيرانية مؤجلة لأسباب مختلفة، فربما توفرت الآن.. الظروف الكافية لإنضاجها، وتحويل الفوضى التي أرادت إسرائيل إحداثها في المنطقة.. إلى نوع من الترتيبات «الخلاقة».

لكن الانتقال إلى هذه المرحلة الجديدة في العلاقات العربية-الإيرانية، يحتاج بالضرورة إلى عملية بناء ثقة بين الجانبين. ولا يستقيم – عند بناء الثقة – أن تتوازى المباحثات العربية-الإيرانية لإنشاء منظومة أمنية مشتركة.. مع استمرار التهديد بالعودة لإغلاق المضيق، عند كل مطب تمر به المفاوضات مع الولايات المتحدة؛ فالمساران متناقضان. ولو نظرنا للأمر – من منظور المصلحة الوطنية الإيرانية المباشرة – لوجدنا أن.. تكرار التهديد بإغلاق المضيق، قد يؤدي لاستهلاك هذه الورقة في المستقبل. ولدينا المثال الواضح على ذلك.. من الخبرة الإيرانية نفسها. وذلك أن طول مدة العقوبات الاقتصادية الأمريكية على إيران، وتوسيع نطاقها باستمرار.. جعلها تفقد جزءاً من تأثيرها على الاقتصاد الإيراني.

وبطبيعة الحال، يمكن القول إن هناك اختلافاً كبيراً بين الحالتين؛ لأن ورقة العقوبات الأمريكية (أو الأوروبية، أو حتى الأممية) تستهدف دولة واحدة هي إيران. بينما أن ورقة المضيق.. هي ورقة تستهدف العالم كله، وهذا صحيح. لكن المقصود.. هو أنه كما أن إيران نجحت – بمرور الوقت – في الالتفاف على العقوبات الأمريكية وغير الأمريكية؛ عبر ناقلات «أسطول الظل»، وأساليب التمويه التي لجأَت إليها.. لتصدير النفط إلى الخارج، فإن دول الخليج قد تلجأ هي الأخرى للالتفاف على إغلاق المضيق.. عبر تفعيل بعض الطرق البديلة.

هذا، مع العلم بأن الاتجاه لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز.. موجود بالفعل، من جانب كل من دولتى الإمارات والسعودية. يضاف إلى ذلك، أن البند الخامس في مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية.. ينص على أن تدير إيران حواراً مع سلطنة عمان، حول آليات الإدارة والخدمات البحرية المستقبلية في مضيق هرمز.. بالتنسيق مع الدول الأخرى المطلّة على الخليج، وبما يتوافق مع القانون الدولي، بعد انقضاء الستين يوماً.

وهذا يعني أن مستقبل المضيق سيكون على طاولة التفاوض.. بين دول الخليج العربية وإيران، عند مناقشة تفاصيل المنظومة الأمنية المشتركة. وإذا كانت إيران قد اعترضَت على مبادرة سلطنة عمان.. بإتاحة ممر بحري مؤقت للسفن، يتجنب المرور أمام المياه الإقليمية الإيرانية، فبنفس المنطق.. لا يحق لإيران التصرُّف في المضيق بإرادتها المنفردة؛ سواء بإغلاقه، أو بإلزام السفن باتخاذ مسار معين.. يحدده الحرس الثوري. وثمة ملاحظة إضافية تخص هذه النقطة؛ هي أن كون الولايات المتحدة لم تجد أياً من حلفائها الأوروبيين.. يساندها في فتح المضيق بالقوة، فإن هذا كان نابعاً من النظر للحرب ضد إيران.. باعتبارها حرباً غير مشروعة؛ بدأها ترامب، ويتحمَّل وحده تبعاتها.

لكن مع توقُّف الحرب بين الطرفين، هل يمكن الرهان على ثبات الموقف الأوروبي حيال إغلاق المضيق.. بالمخالفة للقانون الدولي؟ هذا سؤال مطروح. 

لقد دفعنا جميعاً ثمن هذه الحرب.. التي ورَّط فيها نتنياهو الولايات المتحدة، فلنتعاون – في حدود ما نستطيع – على تغيير الوجهة.. التي كان يريد أن يأخذ المنطقة إليها.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة