زاهي حواس
كان من أهداف المشروع المصري لدراسة المومياوات الملكية – الذي بدأناه منذ أكثر من عشرين عاماً، وتحديداً في سنة 2005 – أن تكون دراسة مومياوات الفراعنة على يد خبراء مصريين؛ ليس تقليلاً أو تشكيكاً في الخبرات الأجنبية، ولكن لكي تكون تلك الدراسات بعيدة تماماً كل البعد عن الأهواء، خاصة أن دراسات الحمض النووي للفراعنة، تُعتبر من الموضوعات الحساسة.. في ظل تربُّص البعض بالحضارة المصرية القديمة؛ سواء بالادعاء كذباً.. الانتساب إليها (حركات الأفروسنتريك). أو الادعاء بأنهم شركاء في بناء تلك الحضارة (اليهود). أو الادعاء بأن سكاناً من خارج كوكب الأرض، أو علماء قارة الأطلنتس المفقودة.. هم من هبطوا إلى مصر وبنوا حضارتها، وليس المصريون هم بناة الحضارة (هؤلاء نسميهم النجميين).
لكل ما تقدم، كان من الضروري وجود فريق متخصص من العلماء المصريين.. لدراسة مومياوات أجدادهم الفراعنة العظام، والكشف عن أسرارها. ففي مجال دراسة الحمض النووي القديم، عمل معنا الدكتور يحيى جاد، والدكتورة سمية إسماعيل، والدكتورة رباب خيرت، وغيرهم من الباحثين المتخصصين. وفي مجال الأشعة المقطعية، عمل معنا الدكتور أشرف سليم، والدكتورة سحر سليم.
وتُعد دراسة مومياء الملك أمنحتب الأول – ثاني ملوك الأسرة الثامنة عشرة من الدولة الحديثة – من أهم الدراسات التي قمنا بها. ولم يُعثر على مقبرة مؤكدة للملك أمنحتب الأول إلى اليوم، وإن كان بعض علماء الآثار.. يعتقدون أن مقبرته ربما تكون في منطقة الدير البحري، خلف معبد الملكة حتشبسوت. والملك أمنحتب الأول.. هو ابن الملك أحمس الأول – محرر مصر من الهكسوس ومؤسس الأسرة الثامنة عشرة – وقد تولى أمنحتب الأول الحكم بعد وفاة أبيه، وحكم مصر حوالي واحد وعشرين عاماً. ويبدو أنه كان ملكاً محبوباً ومهماً، حتى إنه قُدِّس بعد وفاته، وبنى عمال وفنانو دير المدينة – الذين كانوا يعملون في حفر وتزيين مقابر وادي الملوك – معبداً له ولزوجته الملكة أحمس نفرتاري.. داخل قريتهم.
وهناك واقعة حدثت عام 2002، بعد أن توليت مسؤولية الآثار مباشرة. حينما جاءني عالم آثار بولندي يُدعى نيفينسكي، ومعه المرحومة الدكتورة شافية بدير، وسألني: «أين ستكون الأسبوع القادم؟»، فأجبته: في مصر! فقال لي: «إذن سوف أقدم لك كشفاً عظيماً! لقد عثرت على مقبرة الملك أمنحتب الأول.. في الدير البحري!». وإلى يومنا هذا ما زلت منتظراً هذا الكشف؟ وما زالت مقبرة أمنحتب الأول واحداً من الأسرار الكبيرة في علم الآثار المصرية.
نُقلت مومياء أمنحتب الأول – بواسطة كهنة الأسرة الحادية والعشرين – من مقبرته التي لا نعرف أين هي.. إلى خبيئة المومياوات الملكية بالدير البحري، حيث عُثر عليها في عام 1881م، مع عدد كبير من مومياوات ملوك وملكات مصر. وظلت المومياء – لحُسن الحظ – محتفظة بلفائفها الكتانية وقناعها الجنائزي الرائع، ولم تُفك لفائفها.. مثلما حدث مع معظم المومياوات الملكية الأخرى. ولذلك بقيت أسرارها مخبأة تحت اللفائف.. لأكثر من ثلاثة آلاف عام.
قامت الدكتورة سحر سليم بعمل الأشعة المقطعية – باستخدام الجهاز المتقدم في ذلك الوقت، الذي وفرته شركة سيمنز للمشروع، وتم تخصيصه فقط لدراسة المومياوات – وقد مكنتنا صور الأشعة المقطعية من كشف كل شيء على، أو داخل المومياء.. دون الحاجة للمس حتى اللفائف الخارجية للمومياء. ولأول مرة استطعنا أن نكشف عن وجه الملك، وعن حالته الصحية، وعن أسرار جديدة تتعلق بطريقة تحنيطه، وذلك دون أن نقترب من اللفائف أو نفتحها. وهنا يظهر لنا كيف يستطيع العلم الحديث.. أن يكشف أسرار المومياوات، ويحافظ عليها في الوقت نفسه. وأوضحت صور الأشعة.. أن ملامح الملك أمنحتب الأول، تشبه – إلى حد كبير – ملامح أبيه الملك أحمس الأول، الذي نُقلت مومياؤه مع مومياء الملك تحتمس الأول.. إلى متحف الأقصر؛ ضمن معرض «عصر مصر الذهبي». كما حددت الدراسة أن الملك توفي في عمر يقارب الخامسة والثلاثين، كما أظهرت الأشعة أن حالته الصحية كانت جيدة بصفة عامة، ولم تظهر علامات واضحة على أمراض خطيرة، أو إصابات قاتلة.. يمكن أن تفسر سبب الوفاة. ولذلك فإن سبب وفاة الملك لا يزال غير معروف حتى الآن.
وكشفت الدراسة أيضاً.. عن معلومات جديدة ومهمة عن التحنيط الملكي، في بداية الدولة الحديثة؛ فقد تبين أن ذراعي الملك كانتا موضوعتين في وضع متقاطع على الصدر، وهي الوضعية التي تُعرف بالوضعية الأوزيرية، نسبة إلى الإله أوزير. ويبدو أن مومياء أمنحتب الأول تمثل واحدة من أقدم المومياوات الملكية المعروفة.. التي تظهر بهذه الوضعية، التي استمرت بعد ذلك في مومياوات ملوك الدولة الحديثة.
ومن الأسرار المهمة التي كشفتها الأشعة، أن المخ لايزال موجوداً داخل جمجمة الملك، ولم تتم إزالته أثناء عملية التحنيط. وهذا أمر مهم جداً، لأنه يوضح أن طرق التحنيط في بداية الأسرة الثامنة عشرة، كانت تختلف عما حدث لاحقاً في مومياوات ملوك الدولة الحديثة؛ مثل الملك توت عنخ آمون، حيث أصبح إزالة المخ، وإدخال مواد التحنيط داخل الجمجمة.. أمراً معروفاً.
كما كشفت صور الأشعة ثلاثية الأبعاد.. عن وجود ثلاثين تميمة داخل لفائف المومياء، بالإضافة إلى حزام أسفل ظهر المومياء.. مكوَّن من أربع وثلاثين خرزة من الذهب. وهذه الاكتشافات تؤكد أن المومياء لم تُنهب.. كما كان يعتقد البعض، وأن كهنة الأسرة الحادية والعشرين تعاملوا معها باحترام كبير.. عند إعادة لفها وحمايتها.
وقد أظهرت الدراسة أيضاً.. آثار تدخل الكهنة في عصر لاحق، لإصلاح التلف الذي أصاب المومياء، وإعادة لفها بعناية. وهذا يؤكد أن كهنة الأسرة الحادية والعشرين.. لم يكونوا لصوصاً كما اتهمهم البعض، بل كانوا حماة لتراث مصر القديم، وقد قاموا بإنقاذ المومياوات الملكية من السرقة والتدمير، ونقلوها إلى أماكن آمنة.. حتى تصل إلينا اليوم.
إن دراسة مومياء الملك أمنحتب الأول، تكشف لنا قيمة العلم الحديث في خدمة الآثار؛ فالأشعة المقطعية والبرامج الرقمية المتقدمة.. استطاعت أن تفعل ما لم يكن ممكناً من قبل؛ أن تكشف وجه الملك، وتدرس جسده، وتوضح طريقة تحنيطه، وتكشف عن التمائم والمجوهرات داخل اللفائف، دون أن نلمس المومياء أو نقوم بفك لفائفها.
وهكذا خرج الملك أمنحتب الأول عن صمته الأبدي، ليحكي لنا أسراراً جديدة عن نفسه، وعن التحنيط، وعن كهنة طيبة ..الذين حافظوا على مومياوات أجدادنا العظام. وستظل مومياء أمنحتب الأول واحدة من أجمل وأهم المومياوات الملكية، وشاهداً خالداً على عبقرية المصري القديم، وعلى قدرة علمائنا المصريين على كشف أسرار الحضارة المصرية.
نقلاً عن «المصري اليوم»