عبدالله عبدالسلام
قبيل توقيع مذكرة التفاهم مع إيران، كان ترامب غاضب دائماً. هذه إحدى صفاته. لكن غضبه الأخير من إيران.. تحوَّل إلى ما يشبه المرض. استراتيجيته – التي أصر عليها منذ بدء العدوان عليها 28 فبراير الماضي – كانت تترنح.
في البداية، كان متأكداً أن الغارات الوحشية والاغتيالات وتدمير البنية التحتية الإيرانية.. من شأنها إجبار طهران على الاستسلام التام. خلال 40 يوماً من القصف لم يتحقق له ما يريد. راهن على أن المفاوضات هي الحل، وأقنع نفسه.. بأن جيلاً جديداً من القادة الإيرانيين المعتدلين، سوف يلبي مطالبه. لم يحدث ذلك. القادة الجدد أكثر تشدداً من الراحلين. ومع ذلك، أصر على أن الاتفاق (بشروطه وإملاءاته)، سيتم التوصل إليه. كرر ذلك 38 مرة، كما ذكرت «سي إن إن».
بينما كان ترامب يعيش في أحلام يقظته، كانت إيران تغير استراتيجيتها. اعتبرت صمودها خلال الحرب نصراً. وبالتالي، رفضت أن تتنازل خلال المفاوضات، وتُعطي واشنطن ما عجزت عن الحصول عليه بالقوة. وليس هذا فقط. القيادات الجديدة – التي تولت الزمام – خاصة من الحرس الثوري، وضعت معادلات جديدة؛ أي اعتداء على إيران أو حلفائها.. وتحديداً في لبنان، سيتم الرد عليه، سواء ضد المعتدي مباشرة، أو مصالحه في المنطقة.
فعلت ذلك، عندما اعتدت إسرائيل على الضاحية الجنوبية، معقل حزب الله في بيروت. ثم أسقطت طائرة الأباتشي الأمريكية. ورغم أنها لم تعلن مسؤوليتها مباشرة، إلا أن هذا التصعيد، أفقد ترامب توازنه. كان الرد.. ضرب أهداف إيرانية على مدى يومين.
إيران تتصرف حالياً.. باعتبار أن لديها أوراقاً رابحة؛ من هرمز إلى الحلفاء، إلى التهديد بضرب المصالح الأمريكية.. في حالة الاعتداء عليها. وهذه من بين أسباب عدم موافقتها على التعديلات التي أدخلها ترامب على مذكرة التفاهم.. التي تفاوض عليها الباكستانيون، ووافق عليها الوفدان الأمريكي والإيراني. الرئيس الأمريكي لا يريد أن يعترف بتلك الأوراق. ما زال يتصرف، كما لو أن الأمور ما تزال عند وقت الحرب. وكلما رفضت إيران الانصياع لمطالبه، زاد إحباطه ولجأ إلى العدوان مجدداً. الضربات الأمريكية الجديدة تستهدف، كما قال وزير الحرب بيت هيجسيث: «وضع شرط، وليس إعادة إشعال شيء.. لسنا مضطرين لإعادة إشعاله. لو احتجنا للتفاوض بالقنابل سنفعل ذلك».
كانت الضربات الأمريكية الأخيرة.. دليل ضعف وقلة حيلة، وعدم قدرة على الخروج من المأزق. وبدت العودة للحرب الشاملة.. شبه مستحيلة. الاقتصاد الأمريكي يتراجع بسرع،ة والأمريكيون يعانون ارتفاع الأسعار. كأس العالم على الأراضي الأمريكية، والحرب ستؤثر سلباً عليه وبشدة. الانتخابات النصفية للكونجرس على الأبواب. لكن بقاء الوضع كما هو.. معناه فشل ذريع لترامب، الذي لا يملك حلاً سحرياً رغم ادعائه غير ذلك. كان يبدو نظرياً.. مستحوذاً على غالبية أوراق اللعبة، لكنه يفشل في استخدامها. جعبته فرغت من كل شيء باستثناء التهديدات والضربات «المحسوبة» التي لن تُجبر إيران على الرضوخ.
أحياناً يكون الملاكم قوياً.. بما لا يقارن بخصمه، لكن رعونته وتعاليه، واحتقاره لمن يواجهه.. تجعله لا حول له ولا قوة. تتبخر أدواته وقدراته، مما يصيبه بالإحباط والتهور. تتخبط قراراته في الوقت الذي تزداد آمال الخصم «الضعيف»؛ بإمكانية الصمود.. وربما النصر.
نقلاً عن «المصري اليوم»