Times of Egypt

كلاب ضالة.. وأفكار أضل

M.Adam
وجيه وهبة 

وجيه وهبة

علاقة الإنسان بالكلب.. علاقة موغلة في القدم، وتختلف طبيعة تلك العلاقة من مجتمع إلى آخر.. وفقاً لعوامل عدة؛ إثنية وثقافية ووظيفية. وتتراوح بين حب وتقدير إلى حد التقديس، وبين بغض وكراهية إلى حد التدنيس. وما بين الحب والكراهية درجات. وللكلاب الأليفة فوائد عديدة، خاصة إذا حسن تدريبها ورعايتها. وهي من أشد الحيوانات وفاءً لصاحبها بصورة مذهلة. 

وكذلك الأمر بالنسبة لكلاب الشوارع المصرية (الكلاب البلدي)، وهي معروفة بذكائها وجمالها ورشاقتها. وقد كتب عنها، وعن مآثرها.. رحالة القرن التاسع عشر «إدوارد لين»، وأن الفقراء هم من يعطفون على تلك الكلاب الضالة ويطعمونها. ولم ينس «لين» أن يذكر ما رآه من تجاوزات البعض، وسوء تعاملهم مع الحيوانات بصفة عامة. وفي المقابل، ذكر أيضاً واقعة.. تبين المدى الذي يبلغه حب هذا الكائن الوفي، حين قامت امرأة وحيدة بتشييع جنازة كلبها المتوفى، بعد أن غسلته على الطريقة الإسلامية، لتدفنه في مقابر الإمام الشافعي، مدعية لجيرانها أن المتوفى هو طفلها. واستأجرت بعضًا من الندابات ومقرئي القرآن، وساروا مع الجيران خلف نعش الكلب، وسار حاملاً للمصحف أمامه.. 

الكلاب الضالة مشكلة حقيقية، وخطر داهم على الأرواح. ولكن الأخطر.. هو الاستسهال، واللجوء إلى الأفكار والسلوكيات الأضل سبيلاً.. في معالجة المشكلة؛ فهي تؤسس وترسخ ذهنية التوحش والعنف، وتبلد الأحاسيس. 

لا تبخلوا باللجان والميزانيات والخبراء.. لحل المشكلة بأسلوب حضاري. لا نريد أن نحل مشكلة، ونخلق عشرات المشاكل لدى أجيال قادمة.. تتربى على معايير أخلاقية وسلوكية غليظة شائهة. ليس من الحكمة تكرار فضيحة الطريقة الغبية الهمجية، التي تم بها التخلص من الخنازير، أيام إنفلونزا الخنازير.

الكلب والحرباء

«حرباء» (A Chameleon)، هو عنوان إحدى قصص مفخرة الأدب الروسي والعالمي «أنطون تشيخوف». التي تعرض في إيجاز – بأسلوب الكاتب الإنساني الساخر الطريف – سرعة تلون المنافقين، كالحرباء.

… أثناء تفقده ميدان السوق، شاهد مفتش الشرطة «أتشميلوف»، رجلاً يصيح.. وهو يطارد كلباً يركض على ثلاثة أرجل ويعوي بأنين. أخيراً، يسقط الرجل ممدداً جسده على الأرض.. قابضاً على الأرجل الخلفية للكلب، رافعاً إصبعاً ينزف دماً. 

خرج الناس من الدكاكين والحانات، وتحلقوا حول الرجل والكلب. اخترق مفتش دورية الشرطة الجمع. كان الكلب كلب صيد صغير الحجم، يرتعش.. وفي عينيه دموع، ونظرات رعب.

المفتش «بصرامة»: «كلب من هذا؟ لن أترك الأمر يمر مرور الكرام!، سأريكم عاقبة إطلاق كلابكم هكذا! علينا أن ننتبه إلى كل من يخالف القوانين! وسيعرف هذا الوغد.. صاحب الكلب، معنى إطلاق كلبه، عندما يدفع الغرامة. وسأريه النجوم في عز الظهر». 

ثم يلتفت إلى الشرطي مساعده قائلاً: «اعرف كلب من هذا وحرر محضراً! أما الكلب، فيجب إعدامه فوراً! لا بد أنه مسعور». 

ثم يصيح بصوت جهير: «إنني أسألكم مرة أخرى.. كلب من هذا؟».

يعلو صوت من بين الجمهور: «يبدو أنه كلب سيادة اللواء.. جيجالوف».

المفتش: «هه.. اللواء جيجالوف»؟ 

ثم يلتفت نحو الرجل الجريح «خريوكين»، قائلاً: «لا أفهم، كيف استطاع أن يعضك، أمن المعقول أن يصل لإصبعك؟ إنه صغير، أما أنت فانظر إلى طولك! يظهر إن مسمار جرح إصبعك، فخطرت لك فكرة الحصول على تعويض.. أنا أعرفكم يا شياطين!».

رجل: «يا سعادة الباشا، كان بيلسع الكلب بالسيجارة في بوزه.. ويضحك، فالكلب عضه.. راجل مشاغب»!

خريوكين: «كذاب يا باشا…».

ويقول الشرطي متأملاً الكلب: «ليس لدى سيادة اللواء كلاب كهذه.. معظم كلابه سلوقية».

المفتش: «إنت متأكد؟».

الشرطي: «متأكد يا باشا».

المفتش: «أنا عارف.. كلاب سيادة اللواء غالية، وأصيلة، أما هذا… فالله أعلم ما هو!.. لا شعر ولا شكل.. أهذا كلب يقتنى؟ أين عقولكم؟»!. «وأنت يا خريوكين وقد تضررت، لا تدع الأمر يمر هكذا… آن أوان التأديب».

ولكن الشرطي استأنف، وكأنه يفكر بصوت مسموع: «وربما كان كلب سيادة اللواء.. فليس مكتوباً على سحنته.. رأيت من مدة كلباً يشبهه في فناء منزله».

صوت من الحشد: «واضح، إنه كلب سيادة اللواء»!.

المفتش (يخاطب الشرطي): «احمله إلى سيادة اللواء. قل لهم إنني وجدته وأرسلته معك.. وقل لهم أيضاً ألا يطلقوه هكذا في الشوارع.. فقد يكون غالي الثمن، وحين يلسعه كل خنزير بالسيجارة في وجهه، تصيبه أضرار وتشوهات…». 

ثم يلتفت إلى «خيروكين» قائلاً: «وأنت أيها الغبي، كفى تلويحاً بإصبعك الجريح! إنك أنت الجاني!».

صوت من الحشد: «انظروا.. برخور طباخ سيادة اللواء قادم، فلنسأله.. تعال هنا يا عزيزي… انظر إلى هذا الكلب… أهو كلبكم؟».

الطباخ (بدهشة استخفاف): «هذا؟! لم يكن لدينا أبداً كلاب مثله!».

المفتش: «هذا كلب ضال! لا داعي للكلام الكثير.. إذا قلت إنه كلب ضال فهو كلب ضال. يجب إعدامه وكفى». ولكن الطباخ استطرد: «ليس كلبنا، إنه كلب شقيق سيادة اللواء، الذي جاء لزيارته. سيادة اللواء لا يحب كلاب الصيد. لكن شقيقه يحبها».

المفتش (بابتسامة فرح متهللاً): «حقيقي؟ إيفانتش شقيق سيادة اللواء وصل عندكم! وهذا كلبه؟ أنا سعيد جداً إني وجدته.. خذه.. كلب شقي مكار.. عض إصبع هذا الوغد (ضاحكاً)… ها… ها… ها». 

ثم نظر إلى الكلب قائلاً: «لماذا ترتعش؟ لا تغضب يا صغيري المكار». 

الطباخ يحمل الكلب ويمضي. ويقهقه الجميع ساخرين من «خريوكين» وإصبعه الجريح. ويلتفت المفتش نحوه قائلاً: «تلقَّى وعدك.. حين أتفرغ لك». ويغادر المكان.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة