سمير مرقص
(1) «الإيكونوميست وجديد الحركة الشبابية»
التحولات الجيلية ومواقفها وسلوكياتها؛ إحدى أهم الظواهر التي تتم متابعتها من قبَل الأروقة الأكاديمية، والدوائر الفكرية والثقافية والإعلامية.. نظراً للدور الذي يلعبه الشباب؛ بموجب أنهم أصبحوا هم الكتلة الغالبة في التركيبة السكانية حول العالم من جهة، وأن الزمن الرقمي – بتقنياته ووسائطه – قد مكَّن من تسريع درجة ونوعية التحولات الجيلية، ومن ثم إيقاع التطور المجتمعي.. من جهة أخرى.
وفي إطار دراستنا المبكرة.. بما أطلقنا عليه «الحركية المواطنية القاعدية، أو النزعة المواطنية «Citizenism»، أولينا المسألة الشبابية والتحولات الجيلية المتسارعة.. اهتماماً كبيراً من خلال المتابعة الدؤوب لدراسات تأسيسية في هذا المقام حول: الشباب الجديد، وشباب ما بعد الألفية، وأجيال «زد» و«ألفا» و«بيتا»، وكيف أن تحولات هؤلاء الشباب.. كان لها فعل «الزلزال».
وقد رصدنا في مقال بعنوان «الزلزال الشبابي Youthquake».. في أبريل 2019، ملامح هذا الزلزال في السياق البريطاني، وآثاره التي تجاوزت هذا السياق. ومنذ ذلك الوقت، نحرص على متابعة جديد الشأن الشبابي والتحولات الجيلية (راجع دراستنا: الزلزال الشبابي وتوابعه الجيلية: حوار حول التحولات الديموجرافية والمجتمعية والمستقبل في كتابنا: أحلام فترة العزلة – دار العين يناير 2024، ومقالنا عن جيل زد في يناير 2012، وجيل بيتا في في «عروبة 22» في أغسطس 2023، ودراسة تحولات الكتلة الشبابية.. في تقديرات مصرية، الصادرة عن المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية – 2022). في هذا الإطار، تناولت مجدداً دورية الإيكونوميست، الأسبوعية العريقة – في عددها الأخير الصادر في الرابع من يونيو الماضي – جديد الحركية الشبابية.
(2) «غضبة جيل زد»
جاء غلاف دورية الإيكونوميست يحمل العنوان التالي: «صعود جيل زد الاشتراكي The Rise of Gen – Z Socialism»؛ وفي الخلفية صورة الغلاف.. تتكون من عناصر دالة كما يلي: ظهر هاتف محمول، يتضمن وجهين لقيادات يسارية شبابية، وشعارات راديكالية. يوجز هذا التشكيل البصري البديع والبليغ.. اللحظة التاريخية الراهنة؛ فالمحمول يحتل مركز الغلاف.. كناية عن أن جيل زد هو تعبير عن الزمن الرقمي، كما أن الحشد الاجتماعي والسياسي.. يتم عبر وسائل الاتصال الاجتماعي المتنوعة،. بمعنى آخر، تشير الإيكونوميست إلى أن أننا أمام اشتراكية من نوع جديد، ليست اشتراكية الأحزاب والنقابات، بل اشتراكية شبابية.. تتشكل من خلال تلك الوسائل، وتعبِّر عن نفسها عبر المنصات الرقمية. وتدلل على ذلك.. من خلال الوجهين اللذين يمثلان الحركية اليسارية الجديدة، من خارج الأحزاب والنقابات التقليدية.
وتلخص العناوين المشار إليها خلاصة «مانيفستو» (بيان) جيل «زد الاشتراكي»؛ إذ تشير الشعارات الراديكالية الثلاثة.. الموضوعة على الغلاف بإيجاز، على طريقة الرسائل «الواتسابية» عن مضمون «المانيفستو».. كما يلي؛ أولاً: ضرورة محاسبة الأغنياء Eat the rich، وثانياً: تجميد الزيادات في الأسعار.. خاصة فيما يتعلق بإيجارات السكن freeze the rent، وثالثاً: التعبير العامي – المتداول في الحياة السياسية والأدبيات – القائل إن «الرأسمالية قد وصلت إلى طريق مسدود Capitalism Is Cooked». هكذا عرضت الإيكونوميست – على غلافها بإيجاز – ما يفور من غضب.. في سياق المركز الرأسمالي.. من قبَل جيل «زد»، أو لنقل «غضبة جيل زد التاريخية». فما أسباب الغضبة؟ وكيف يمكن استيعابها؟ هذا ما سيجيب عنه المقال.
(3) «المظالم.. الاستياء.. وضرورة الاستجابة»
بدايةً، يضبط المقال تعريف «جيل زد الاشتراكي» كما يلي: «تسمية هذا التوجه بـ(اشتراكية الجيل زد). ليس لأن جميع معتنقيه من الشباب – أو لأن ميل الشباب نحو اليسار – يعد أمراً جديداً، بل لأنه يمثل نمطاً من اليسارية المصنوعة لعصر (تيك توك)، وهو النمط الذي يدعمه ثوار اليوم من الشباب». إنها اشتراكية.. لا تعطي أولوية للأفكار الاشتراكية الكبيرة؛ مثل السيطرة على وسائل الإنتاج، ولا حتى «لقضايا التغير المناخي، والإثنية».. التي انشغلت بها الحركات الاحتجاجية واليسارية قبل عقد مضى؛ إذ إن الشغل الشاغل لاشتراكيي اليوم – ممن ينتمون لجيل «زد» – هو: التضخم، وأزمة السكن وارتفاع قيمة الإيجارات، والديون، وتضاؤل فرص العمل.. مع التوسع في استخدام تقنية الذكاء الاصطناعي… إلخ، وإجمالاً ارتفاع تكلفة المعيشة، وامتداد التفاوتات إلى كل المجالات.
هذه هي نوعية المشاكل التي يئن منها جيل «زد»، ويصفها المقال: بالمظالم Grievances؛ ويلفت المقال النظر إلى أن إنكار مخاوف وهواجس جيل «زد» من تلك المظالم، وقبل ذلك تجاهل أسبابها سيكون حماقة Dismissing these worries would be foolish؛ وبالرغم من دفاع الإيكونوميست عن الرأسمالية. إلا أنها في نفس الوقت، تقر بأن هناك «استياء شعبياً Popular Discontent».. من جراء السياسات النيوليبرالية، وما نجم عنها من معضلات اقتصادية واجتماعية وأزمات اقتصادية/مالية كبرى متعاقبة.
ومن ثم، على «الحكومات أن تحل المشكلات المسببة لهذا الاستياء»، أي ضرورة الاستجابة لانتقادات جيل «زد».. التي يحمل «كل منها ذرة من الحقيقة grain of truth»؛ دون الإخلال بالرأسمالية، وهو استدراك.. نابع من أن الإيكونوميست تدافع عن الليبرالية الاقتصادية التاريخية.. التي ترى أنها الأصل في الازدهار البشري، وليس الليبرالية الجديدة بطبيعة الحال. وهو ما تعكسه الانتقادات – التي وردت في المقال – للجناح اليميني لجيل «زد»، الذي اعتبرته خطراً.. مقابل غرابة أطوار الجناح اليساري لجيل «زد»…
وبعد، فإن مقال الإيكونوميست.. يمثل دق ناقوس خطر للنخب الاقتصادية حول العالم، بالانتباه إلى صرخة جيل «زد» من التهميش الاقتصادي. ومن ثم العمل على إصلاح نفسها من الداخل.. لمواجهة حقيقة تضخم أصول الأثرياء والأجيال الأسبق – بسبب السياسات النقدية – مقابل معاناة جيل «زد» من سوء الأحوال المعيشية.. بتجلياتها المختلفة.
إن القراءة المتأنية لما طرحته الإيكونوميست – بالرغم من دفاعها عن الرأسمالية ومطالبتها بضرورة تصحيح نفسها – لا تدحض ما ينادي به اشتراكيو جيل «زد»، بل تُعِدّه رد فعلٍ عقلانياً.. على نظام اقتصادي، لم يعد يفي بوعوده.
نقلاً عن «المصري اليوم»