Times of Egypt

حول ملف جمع السلاح في العراق

M.Adam
نيفين مسعد

د. نيفين مسعد

خرج علينا السيد مقتدى الصدر في أول أيام عيد الأضحى.. بإعلان إدماج جناحه العسكري – المعروف باسم «سرايا السلام» – في الدولة ووضعه تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة، ودعا كافة فصائل الحشد الشعبي.. إلى أن تحذو حذوه. ومن يتابع مسيرة زعيم التيار الصدري، يعرف جيداً أن موضوع حصر السلاح بيد الدولة.. يُعد أحد مطالبه الثابتة، منذ ما يقرب من عشر سنوات.

أكثر من ذلك، فإنه سبق له أن دعا إلى تحويل جناحه العسكري (سرايا السلام).. إلى مؤسسة مدنية، بعد النجاح في القضاء على خطر تنظيم داعش في عام 2017، لكن مع الأزمة السياسية الحادة – التي عاشها العراق بعد انتخابات عام 2021 – وتعثر مساعي الصدر لتشكيل الحكومة، كانت «سرايا السلام» حاضرة في قلب المعترك السياسي، ووقع اقتحام المنطقة الخضراء في أغسطس عام 2022.. مع استخدام كثيف للسلاح.

والمستفاد من ذلك، أن ما قاله الصدر ليس جديداً. أما تكراره لنفس الموقف.. في هذا التوقيت بالذات، فإنه يمثل جزءاً من دعمه لرئيس الوزراء علي الزيدي.. الذي أيَّده واتصل به من أول لحظة، فلا ننسى أن الزيدي هو الذي أخذ رئاسة الوزراء من المرشح السابق للمنصب.. نوري المالكي؛ الخصم العتيد لمقتدى الصدر.

ومن جانبه، فإن علي الزيدي وضع موضوع حصر السلاح بيد الدولة.. في صلب برنامجه الحكومي، وبالتالي فأن يتلقى دعماً لموقفه.. من زعيم ديني واسع الشعبية – كما هو الحال مع مقتدى الصدر – فإن هذا يعطيه دفعة للأمام.

ولا ننسى أن رئيس الوزراء الشاب.. وهو ما زال بعد على أول الطريق، يسير على حقل من الألغام. وتكفي هنا الإشارة إلى أن العراق.. مازال بدون ميزانية اتحادية من عدة شهور، وأن الإطار التنسيقي – الذي يضم أبرز القوى السياسية الشيعية – يواجه أزمة.. على خلفية توزيع الحقائب الوزارية. هذا، دون الحديث عن الموقف المحرج، الذي وجد الزيدي نفسه فيه.. بعد يومين اثنين من حصوله على ثقة مجلس النواب، عندما انطلقت من الأراضي العراقية مُسيرات.. أصابت مولداً كهربائياً قرب محطة براكة للطاقة النووية في دولة الإمارات العربية المتحدة. وهكذا وجد رئيس الوزراء الشاب نفسه.. في مواجهة المعضلة القديمة/الجديدة – التي واجهها سابقوه – وهي التورط في الصراع الأمريكي/الإسرائيلي-الإيراني. 

في تقييم هذه الخطوة – التي اتخذها مقتدى الصدر – لابد من الإشادة بها؛ خاصة وقد كانت مقدمة لإقدام قوى أخرى.. على المبادرة بفك ارتباطها مع أجنحتها العسكرية، أو الإعلان عن تسليم أسلحتها للدولة.

وأهم هذه القوى الوازنة في الساحة العراقية.. «عصائب أهل الحق»، التي يتزعمها قيس الخزعلي. ومن يتابع تطور مواقف الخزعلي في السنوات الأخيرة، يلاحظ اتجاهه – بشكل متدرج – نحو البراجماتية، واقترابه من تيار الحكمة.. بسياساته الوسطية المعتدلة.

وعلى الرغم من ذلك، فإن العصائب وقيادتها.. ما زالا يخضعان للعقوبات الأمريكية.. على المستويين الاقتصادي والسياسي.

ومن الجماعات الأخرى – التي أعلنت انضمامها لحملة تسليم السلاح للدولة – نذكر: «منظمة بدر»، و«كتائب الإمام علي»، و«ثأر الله»، و«كتائب سيد الشهداء». إذن، فهذا تطور إيجابي في ملف السلاح. لكن هناك ثلاث نقاط أساسية، لابد من أخذها بعين الاعتبار.. عند تقييم المشهد ككل.

النقطة الأولى: هي أنه رغم هذا الاتجاه المحمود، فإن هناك عدداً من الفصائل والقوى.. تؤكد – بوضوح تام – رفض تسليم سلاحها، وعلى رأسها تأتي «كتائب حزب الله»، و«حركة النجباء»، و«حركة حقوق». وتم تبرير هذا الرفض.. بذرائع؛ من بينها أنه يجب التمييز بين سلاح يستخدم في المقاومة، وسلاح منفلت.. يستخدم في الترويع – في إشارة لسلاح العشائر – وأن وجود القوات الأجنبية.. مبرر لحمل السلاح؛ فهناك قوات أمريكية في قاعدة حرير الجوية، وقوات تركية في معسكر بعشيقة. 

كما تشير الفصائل إلى خطورة التهديدات الأمنية.. التي يتعرض لها العراق بعد سقوط نظام بشار الأسد. وأن تحريك ملف السلاح.. هو نتيجة للإملاءات الأمريكية. وأن السلاح له بعد عقائدي. ومن يتابع المواقع الإلكترونية، ووسائل التواصل الاجتماعي.. يجدها حافلة بكل أشكال الانتقاد الحاد، والتنمر على خطوة مقتدى الصدر ومن ساروا في نفس اتجاهه.. وصولاً للإعراب عن الاستعداد لشراء السلاح الذي يتخلى عنه أصحابه.

وبطبيعة الحال، يمكن تفنيد كافة هذه الادعاءات.. بحجج مثل؛ أن إنهاء الوجود الأجنبي، ومواجهة التهديدات الأمنية.. هو مهمة حصرية للجيش، لا للفصائل المسلحة. وأن من الصحيح أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة، دأبت على المطالبة بجمع سلاح الفصائل، لكن هذا يرتبط – في الوقت نفسه – بحق سيادي للدولة.. في اتخاذ قرارات الحرب والمواجهة العسكرية، ولا يجوز التخلي عنه نكاية في الولايات المتحدة، وأن المرجعية الشيعية العليا – نفسها – تؤيد حصر السلاح بيد الدولة. وأخيراً فإن السلاح «المقاوم».. استخدم في ترويع الداخل أيضاً، وينبغي أن يسري عليه ما يسري على سلاح العشائر.

وبالانتقال إلى النقطة الثانية: نجدها تتعلق بمستقبل قرارات تسليم السلاح للدولة، وما إذا كانت قابلة للرجوع فيها أم لا. وأمامنا تجربة مقتدى الصدر نفسه.. الذي غير موقفه أكثر من مرة، حيث جمد جيشه ثم أعاده للعمل.

أما النقطة الثالثة: (الشائكة والمعقدة) فإنها الخاصة بمصير الحشد الشعبي، وكيف سيتم التعامل معه؛ بمعنى: هل سيدمج في الجيش.. لإنهاء الازدواجية القائمة بين المؤسستين أم لا؟ هذا، دون الحديث عن ملف منفصل عن ملف سلاح الفصائل الشيعية، لكنه جزء لا يتجزأ.. من مشكلة السلاح في العراق ككل. وهذا هو ملف سلاح الأكراد .

والخلاصة، أن القضية تحتاج إلى رؤية أشمل.. في التعامل معها، وتتطلب التحرك – بالتوازي – في عدة مسارات، منها؛ توسيع جبهة المؤيدين لفكرة حصر السلاح بيد الدولة، والاشتغال على تعزيز القدرات العسكرية للجيش العراقي، وملاحقة منفذي الهجمات داخل العراق وخارجه، والانخراط في جهود تهدئة التوتر في العلاقات الأمريكية-الإيرانية، والعربية-الإيرانية، فلعل طريق الألف ميل يبدأ بخطوة.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة