Times of Egypt

زلزال إنساني.. الآلة تستأجر البشر!

M.Adam
عبدالله عبدالسلام 

عبدالله عبدالسلام

عندما صاغ الفيلسوف الفرنسي ديكارت (1596- 1650) مقولته الشهيرة.. «أنا أفكر، إذن أنا موجود»، كان يقصد أن الإنسان هو المتحكم في مصيره، وما يحيط به. وأنه أرقى الكائنات؛ بفضل قدرته على التفكير. ماذا لو انقلبت الآية وأصبح الفكر والتخطيط والتحليل.. حكراً على الذكاء الاصطناعي، وتحوَّل الإنسان إلى «أداة» للتنفيذ؟

أصابني الهلع، بينما كنت أتحدث مع الصديق هاني زبيدة – مدير وحدة النمو الرقمي في «المصري اليوم» – قال لي: «هناك الآن نماذج وتجارب فعلية، تتيح للذكاء الاصطناعي.. توظيف البشر لأداء مهام جسدية عضلية، لا تستطيع الآلات (الروبوتات) القيام بها». عرَّفني على منصة إلكترونية هي: (https://rentahuman.ai/) فكرتها.. أنه بدلاً من استخدام الإنسان الذكاء الاصطناعي لصالحه – كما هو حادث حالياً – فإن الذكاء الاصطناعي هو الذي سيستأجره ويوظفه. 

دخلتُ على المنصة، وجدتها عبارة عن مكان أو سوق.. يربط بين وكلاء الذكاء الاصطناعي – مثل «كلاودي» – وبشر حقيقيين.. مستعدين لتنفيذ مهام على الأرض بمقابل مادي. مثلاً يريد الذكاء الاصطناعي التقاط صور من مكان معين، استلام طرود، حضور اجتماع، تجربة مُنتج أو طعام وأمور أخرى، لا تتطلب سوى التواجد الجسماني الفيزيقي. لماذا لا يستأجر إنساناً للقيام بهذه المهام نيابة عنه؟ الموقع نشأ خلال العام الحالي، وعدد البشر الذين سجلوا معلوماتهم.. للاتفاق على العمل الميداني بلغ 745 ألف شخص حتى أمس.

هذا التحوُّل يقلب المعادلة تماماً. حدث تبادل في الأدوار. الذكاء الاصطناعي لم يعد يساعد البشر، بل أصبح المدير والمخطط ورب العمل. مفهوم الوظيفة يتغير. الذكاء الاصطناعي سيحتكر جانب التفكير والتحليل والتنظيم، مثل إعداد الميزانيات، وتوجيهها، واختيار الموظفين، وتكليفهم بالمهام. البشر ستصبح ميزتهم الوحيدة.. هي الجانب العضلي، والتواجد على الأرض. سيكونون – في أغلبيتهم الساحقة – «بروليتاريا» عند السادة المُلاك من الروبوتات.

لن تكون هناك عقود عمل طويلة الأجل. سيعمل الشخص لصالح عدة وكلاء للذكاء الاصطناعي حول العالم.. في نفس اليوم. لا تأمينات ولا معاشات، أو حد أدنى للأجور. إذا طلب الذكاء الاصطناعي من عامل بشري.. تصوير موقع حساس، أو توصيل طرد، تبيَّن لاحقاً أنه غير قانوني، ستقع المسؤولية كاملة على الشخص.. لأن الآلة لا يمكن مقاضاتها جنائياً.

هذا ليس خيالاً علمياً، بل واقع علينا التعامل معه. ليس فقط مجرد تطور تقني، بل زلزال في كينونة الإنسان. الآلة تفكر وتقود، ونحن ننصاع. سيكون البشر مجرد وحدة تنفيذية.. تحتاجها البرمجيات مؤقتاً، لحين ابتكار روبوتات رخيصة تقوم بالعمل الجسدي. المدافعون عن هذا الانقلاب، يقولون إن الإنسان كان يشكو من أن الروبوت يأخذ وظيفته. ها هو الروبوت يوفر له وظائف. لكن في المقابل، سيتحول البشر إلى شيء أو سلعة.. في سوق الذكاء الاصطناعي. جسد الإنسان سيكون خاضعاً للعرض والطلب. ماركس تحدث عن اغتراب العامل، عندما يمتلك الرأسمالي وسائل الإنتاج. الآن، وسائل الإنتاج باتت مملوكة لأنظمة ذكية غير بشرية، لا تملك مشاعر، وتتعامل مع الإنسان كأرقام ونسب مئوية ومعدلات إنجاز. 

كيف سيكون رد فعل البشر؟ هل سيتمردون بعنف؟ أم يشكلون نقابات بشرية ضد الآلة؟ 

الأرجح أنهم سيستسلمون للأمر الواقع.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة