عبدالله عبدالسلام
إذا أردنا أن نعرف المعنى الجديد.. لما يُسمَّى: وقف القتال، أو وقف إطلاق النار.. علينا النظر إلى ما يجري في لبنان وغزة.
يلتقي حالياً في واشنطن.. وفد عسكري لبناني، بوفد إسرائيلي. الهدف اللبناني الرئيسي.. استمرار وقف إطلاق النار (المفترض أنه) ساري منذ أبريل الماضي. الواقع يقول.. إن إسرائيل لم تكتفِ – بعد التوصل لهذا الاتفاق – بضرب جنوب لبنان، بل استأنفت غاراتها على بيروت. وصعَّدت أوامر إجلاء السكان.. ليس في قرى الجنوب فقط، بل في مدن رئيسية أيضاً كالنبطية. وواصلت اغتيال قادة حزب الله العسكريين. ومع ذلك، يؤكد رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام.. تمسك بلاده بوقف القتال.
الأمر نفسه في غزة. فمن المفروض أن هناك وقفاً لإطلاق النار.. منذ شهر أكتوبر من العام الماضي. وقد اغتالت إسرائيل – خلال الأيام القليلة الماضية فقط – اثنين من قادة حماس العسكريين. نتنياهو صرَّح بأن جيش الاحتلال يسيطر على 60% من القطاع، وأنه أمر باحتلال 70% منه. ومع ذلك، يتعامل العالم على أن هناك وقفاً للقتال، وأن ما يحدث مجرَّد «انتهاكات».. لا تعني نهاية الاتفاق.
… إسرائيل – عندما ضربت بيروت قبل يومين – قالت إن ذلك جرى بالتنسيق مع الولايات المتحدة.. الضامن الرئيسي لاتفاق وقف القتال، وللمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية. واشنطن توفر الغطاء السياسي والعسكري لإسرائيل.. لانتهاك وقف إطلاق النار. لن يعدم الثنائي الأمريكي الإسرائيلي الذريعة؛ بزعم أن حماس أو حزب الله.. انتهكا الاتفاق. «ما نقوم به دفاع استباقي عن النفس».
… أصبحت اتفاقات وقف القتال.. أداة لإدارة النزاع إعلامياً، والترويج بأن واشنطن وتل أبيب تسعيان للسلام. الهدف (الحقيقي) هو شراء الوقت، وتخفيف الضغوط والانتقادات الدولية. المفارقة، أن صياغة اتفاقات وقف القتال، تتضمن – عمداً – ثغرات.. تتيح لإسرائيل في لبنان وغزة، ولأمريكا في إيران.. الاستمرار في العمليات العسكرية، تحت مسميات مختلفة؛ أهمها الدفاع عن النفس.
… يتم إجبار حماس والحكومة اللبنانية، على قبول وقف إطلاق نار.. «ظالم ومعيب قانوناً»، لكن موازين القوى لا تسمح بغير ذلك.
لم يعد لمثل هذه الاتفاقات قدسية قانونية أو سياسية. أصبحت تخضع لحسابات القوة والمصلحة.. بديلاً عن المبادئ والقوانين المُلزمة. تظل اتفاقات وقف القتال سارية، طالما أنها تحقق مصلحة الطرف الأقوى. وإذا رأى أن استمرارها يضر بأهدافه العسكرية، يخترقها.. بمبررات «واهية». لا يهم أن يصدقها العالم أم لا؟.
قبل زمن، كان انتهاك وقف القتال.. جريمة دولية، يتحرك مجلس الأمن لوقفها، ومعاقبة الطرف الذي انتهك.
الآن، تحولت هذه الاتفاقات إلى «تكتيك»، يستخدمه الطرف الأقوى لحسابات مؤقتة، ما إن ينتهي مفعولها، حتى يجري استئناف القتال.
ومن عجب، أن الأطراف العربية تُدرك ذلك، وترى الانتهاكات تحدث بشكل يومي، لكنها لا تستطيع فعل شيء. الحكومة اللبنانية ليس لديها أي أوراق ضغط. لا تستطيع حتى تأجيل المفاوضات مع إسرائيل، ناهيك عن إلغائها.
تكرر مراراً.. أن هدفها وقف القتال، الذي لم يعد موجوداً. حماس نفس الأمر. تحذر من أن الاعتداءات الإسرائيلية.. ستقضي على اتفاق الهدنة. لكنها لا تملك أكثر من ذلك.
… كم من الجرائم تُرتكب باسم وقف القتال، وكم من الضحايا يسقطون من أجله.
نقلاً عن «المصري اليوم»