نيفين مسعد
عنوان المقال مُضلِّل بعض الشيء؛ لأن أول ما سيتجه إليه ذهن القارئ.. هو أن الموضوع يخص إحدى قواعد النحو، التي تمنع أسماءً معينةً من الصرف. لكن الحقيقة أن الموضوع.. لا علاقة له بالصرف اللغوي؛ لكنه يتصل بالصرف النقدي، أو بتداول الأوراق النقدية.. المكتوب عليها.
العرب عموماً.. مولعون بالكتابة على كل شيء، وأي شيء.. بالمعنى الحرفي للكلمة. وفي الدول ذات الحضارات القديمة والعريقة – كمصر والعراق – تعامَل الأجداد مع المقابر، وجدران المعابد، والمسلّات.. كأنها ألواح للكتابة. وهكذا دوَّن فراعنة مصر العِظام.. معاركهم الحربية، وترانيمهم، وعلومهم وفنونهم وحكاياتهم، وتصوراتهم للعالم الآخر.. على الحجر. وكتب الملك حامورابي أحد أبرز رموز الحضارة البابلية.. على مسلّة عراقية ضخمة، ما يناهز 300 مادة قانونية.. لتنظيم كل جوانب حياة البشر؛ من أول الزواج وتكوين الأسرة، وحتى العدالة وتطبيق القصاص.. مروراً بتنظيم أحوال الزراعة والري والتجارة.
وأمة محمد.. هي «أمة اقرأ»، و«إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ»، و«اطلبوا العلم ولو في الصين». والقراءة توأمها الكتابة، وطلب العلم.. يلزمه القلم مع الورق. وفي الأسفار المسيحية القديمة، حثٌّ صريح على تدوين الرؤيا، والنقش على الألواح.. حتى ولو كان لوح القلب. ورسائل القديسين العِظام.. أمثال بولس وبطرس ويوحنا، هي جزء تكويني من الفكر الديني المسيحي؛ فالكتابة تثبيت للعقيدة، وتوثيق للأثر.
وهذه المنطقة من العالم – التي نعيش فيها – بكل تنويعاتها الدينية والطائفية والعِرقية المذهلة.. هي مساحة لازدهار المدونات والمعلَّقات، التي كان يلين لكتابتها القماش، وتُطوَّع لحروفها ماء الذهب، لتُتلى أبياتها في سوق عكاظ؛ حيث يختلط الكل بالكل، والحابل بالنابل. وفي أغانينا، تكتب الست فيروز – مع الأخوين رحباني – اسم الحبيب.. على الحَور العتيق، وعلى رمل الطريق.
وبشكل عام، فإن الكتابة على الأشجار – أكانت أشجار الحُور، أو أشجاراً أخرى غيرها – مع سهم يخترق قلبين.. هي عادة تستهوي المحبين عبر العصور. صحيح أن هذه العادة تراجعَت.. مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها موجودة. أما ميشال طعمة فإنه، أحرج الجميع عندما.. جعل فريد الأطرش يكتب على الزيزفون.. برمشه وبدمع العيون.
… تيجي إزاي دي يا ميشال؟
وأما نزار قباني، فلقد كتب بالبُن المحوَّج الغامق.. داخل فنجان العندليب الأسمر، يحذره من أن طريقه إلى حبيبته.. مسدود مسدود مسدود.
والكتابة على جدران الشوارع.. فيها خليط من كل ما هب ودب. فيها سياسة زاعقة؛ وما أكثر شعارات الرفض والتمرد، والسب أيضاً.. التي تملأ جدران مدننا العربية، حتى تبدو.. كما لو كانت قد تحولَت إلى سبورة واحدة، تكتب عليها الشعوب بتحدٍّ، وتنظر وراءها في غضب.. على حد تعبير چون أوزبورن.
وفي الكتابة على الجدران أيضاً، أشكال وألوان.. من الدعاية للسماسرة، والمدرسين والأطباء، والحرفيين والمأذين، وشيوخ الرُقية الشرعية.. وطبعاً للمرشحين في الانتخابات؛ كما لو أنه قد تمت خصخصة الجدران، وتحويلها إلى بطاقات شخصية لأصحابها. ولا يفوتنا أن في الكتابة على الجدران أيضاً، توجد جُمل الترحيب.. بالعائدين من زيارة النبي الغالي، هنيّة لهم وعقبالي. وكفوف مخضَبة بالدم.. لإشعار الحي بأن هنا كانت ذبيحة. ومن ضمن ما فيها أيضاً.. إنذار بالثأر القادم في الطريق، فأن تُكتب عبارة «دكة عشائرية».. على جدران أحد البيوت في العراق، فهذا معناه إشعار بقرب القصاص. أما السيارات.. والكتابة عليها، فهذا عالَم آخر.. فيه دين ودعاء، وحب وحكمة.
هكذا لم يُفلت حجر أو قماش أو زرع أومركبة في وطننا العربي.. من الكتابة عليه.
وليست النقود استثناءً من هذه الظاهرة، لكنها في مصر تأخذ أبعاداً أكبر؛ فالمبالغة تبدو كما لو كانت جزءاً من مكوّنات الشخصية المصرية بشكل عام. وظاهرة الكتابة على الأوراق النقدية في مصر.. هي ظاهرة قديمة وشائعة، وبايخة أيضاً.. لأنها تُدخلنا – دون رغبتنا – في تفاصيل حياة الغرباء وأدق شؤونهم، فنعرف – على سبيل المثال – أن حمادة يحب سوسو.. من أعماق قلبه. وهنا نلاحظ أنه لا تجوز المقارنة بين كتابة قصة حب حمادة وسوسو.. على الأوراق النقدية، وبين كتابة نفس القصة.. على أوراق الزيزفون، أو الحَور العتيق، أو رمل الطريق، أو التوكتوك؛ فهذا غير ذلك.
الأوراق النقدية تدخل إلى جيوبنا، ومحافِظنا، وبيوتنا، وحياتنا الشخصية. والكتابة عليها تقتحم خصوصياتنا، وتفرض تفاصيل حياة الآخرين.. علينا فرضاً. ونحن لا نمّر على الأوراق النقدية، كما نمّر على الأشجار والأحجار والجدران.. مرور الكرام، لكن تنشأ بيننا وبينها عِشرة تدوم.. بحسب فئة الورقة النقدية، ومدى احتياجنا للصرف. فمع أن كله طاير.. هذه الأيام، أو كما قال حافظ رضوان/يوسف شعبان.. في مسلسل «الشهد والدموع»: منه له.. جاي رايح منه له. لكن الورقة فئة المائتين جنيه.. عِشرتها أطول قليلاً من غيرها، وهذا معناه.. أن يظل كل من حمادة وسوسو في ضيافتنا لفترة من الوقت.
عندما بدأَت هذه الظاهرة.. تمتد للكتابة على العملات الأجنبية، اتخذ الموضوع أبعاداً مادية.. غير الأبعاد المعنوية. فالبنوك المصرية تتعامل بأريحية.. مع القصص والأسماء والأرقام والعلامات – وكافة الخزعبلات – المكتوبة على العملة الوطنية، لكنها ترفض رفضاً باتاً.. التعامل مع العملات الأجنبية، لو ظهرَت عليها مجرد جرَّة قلم. ودع عنك ما تنطوي عليه هذه المعاملة.. من تمييز بين العملة الوطنية والعملة الأجنبية، ودع عنك أنهم قديماً.. قالوا لنا: إن العملة الوطنية هي رمز من رموز سيادة الدولة، فإن الخسارة التي تلحق بصاحب العملة الأجنبية – التي ترفض البنوك تداولها – هي خسارة كبيرة، والمسألة من الأصل.. مش ناقصة؛ الخسارة كبيرة.. بسبب ارتفاع سعر الصرف للعملات الأجنبية، وكبيرة أيضا.. بسبب ندرة هذه العملات؛ فشريحة المصريين التي تتعامل بها – بخلاف المستثمرين والتجار – هي شريحة محدودة جداً، وتعامُلها.. عادةً ما يرتبط بمواسم إجازات العاملين بالخارج، أو بداية الدراسة، أو الحج والعمرة.. فضلاً عن العلاج بالخارج.. الشر برَّه وبعيد.
لا أشعر بتعاطف شديد مع النقود البلاستيكية؛ فالتعامُل معها.. أقل حميمية من التعامل مع النقود الورقية، رغم أنها أكثر شياكة ونظافة. والأهم.. أنه من الصعب الكتابة عليها. ومع ذلك، أعترف بأنني لن أتفاجأ كثيراً.. إذا تمكَّن المصري من تطويع النقود البلاستيكية، للكتابة..عليها؛ لتعود قصة حمادة وسوسو الخالدة، و تطّل علينا في ثوبٍ جديدٍ.
فهل كان يتصوَّر أحد، أن يحوِّل مصري أصيل.. التوكتوك، إلى غواصة يعبر بها النيل.. حتى يتفادى زحمة المرور فوق كوبري عباس؟
نقلاً عن «الشروق»