محمد أبوالغار
حين كان عمري 17 عاماً، وقع في يدي كتاب بعنوان «حرية الفكر وأبطالها في التاريخ»؛ فبهرني، وتعلمت منه كثيراً، ولكن أهم شيء سكن جسدي وعقلي وقلبي وأفكاري.. هو الحرية، وأن الحرية هي أساس التقدم، وأساس الفكر الراقي، وأساس الحب الحقيقي. وعرفت جيداً.. أنه بدون حرية، تصبح الحياة أقل قيمة. كما أن الكاتب الذي يتم تقييد حريته، تكون كتاباته مبتورة وناقصة وغير مؤثرة. فحاولت – منذ مطلع الشباب – أن أكون حراً، وكان ذلك مستحيلاً، فأنا ابن عائلة مصرية، وترك الحرية للابن يفعل ما يشاء.. مستحيل. وعندما كبرت، عرفت أن الحرية في بلدي كانت دائماً مقيدة، وحاولت أن أحافظ – قدر الإمكان – على أقصى المتاح من الحرية، وتركت لابنتيَّ هنا ومنى الحرية الكاملة.. التي لم أتمتع بها.
وبعد عام، قرأت كتاباً آخر لسلامة موسى.. هو «تاريخ الفنون وأشهر الصور»؛ فتعرفت على أمور بعيدة جداً عن مجتمعنا، كنت أراها مذهلة.. حين كنت 18 عاماً، ولكنها قدمتني إلى مبادئ الفن، وعرفت أشياء.. لا تعرف عنها عائلتي شيئاً.
ثم بعد عام آخر، كانت الصدمة الكبرى.. حين قرأت «نظرية التطور وأصل الإنسان». كانت نظرية داروين لا تُدرس في المدارس، ولا يُكتب عنها شيء في الصحف، بالرغم من أنها بين 1920 و1940، كانت تناقش على أوسع نطاق، وهناك مساجلات عميقة عنها في التاريخ المصري، ولكن فرص النقاش وحيز الحرية.. انخفض في جميع المجالات.
وفي نهائي الطب، ثم كطبيب امتياز.. كانت هذه فترة توهج نجيب محفوظ، الذي استولى على عقولنا وأفئدتنا. وكنا نتسابق لشراء الرواية الجديدة لمحفوظ، نركب الترام من قصر العيني إلى الفجالة، حيث مكتبة ومطبعة السحار، لنشتري رواية محفوظ يوم صدورها. وكنا نقول.. لا بد أن نشتري الكتاب فور خروجه من المطبعة وهو ساخن، وطبعاً هذا تعبير مجازي.
وعندما قرأت حوارات رجاء النقاش وجمال الغيطاني عن سيرته الذاتية، عرفت أن سلامة موسى.. كان من أهم الذين أثروا في فكر نجيب محفوظ، وأنه كان الناشر الأول له في المجلة الجديدة.
سلامة موسى وُلد عام 1887، ورحل عام 1958.
وأذكر جيداً جريدة الأخبار – التي كان والدي يشتريها يومياً – وكان سلامة موسى يكتب اليوميات في الصفحة الأخيرة.و في كتاب الفيلق المصري، جاء ذكر سلامة موسى.. عندما ذهب إلى المأمور في بلده في الشرقية، يرجوه ألا يأخذ الفلاحين – الذين يعملون في أرضه – مع الفيلق.. ليسافروا مع الجيش الإنجليزي للخارج، وأعفى المأمور أحد فلاحيه. وعندما ذهب مرة أخرى، هدده المأمور بأنه سوف يأخذه شخصياً مع الفيلق..
تأثير أوروبا كان كاسحاً على فكر سلامة موسى، فقد سافر إلى باريس.. وعمره أقل من عشرين عاماً، ومكث ثلاث سنوات. ثم ذهب إلى إنجلترا.. حيث عاش أربع سنوات. لم يأخذ خلالها درجات علمية، بل امتص كافة وجوه الثقافة الأوروبية. تأثر بكارل ماركس، وعندما عاد إلى مصر.. اشترك في تأسيس الحزب الاشتراكي المصري، ولكنه سرعان ما استقال ليغرد خارج السرب حراً.
في بريطانيا، انضم إلى جماعة الفابيين البريطانية، وأفكارها مشابهة لتيار الديمقراطية الاجتماعية في شمال أوروبا. وقابل برنارد شو، وصادقه هناك. سيطرت على عقله وفكره الحضارة الأوروبية وأهمية العلم، وقدَّم للقارئ المصري كتاباً في عام 1936 عن الأدب الإنجليزي الحديث. كان مهتماً بالتاريخ والفن الفرعوني، وكان يعتبر أن الحضارة المصرية الحديثة.. هي امتداد للحضارة المصرية القديمة.
المرأة لها مكانة مهمة.. في كتابات سلامة موسى؛ فقد دافع عن حقوقها، وطالب بمساواتها بالرجل، وكتب في نهاية حياته.. كتاب «المرأة ليست لعبة الرجل». كان سلامة مهتماً جداً بالصحة والأكل الصحي والنظام الصحي وممارسة الرياضة في الحياة، وكتب أنه سيبلغ المائة عام من العمر، ولكنه للأسف رحل عن عمر 71 عاماً. ابن سلامة موسى الأكبر، د. رؤوف سلامة موسى، كان عالِماً في البكتيريا، وكان صحفياً وكاتباً، وأسس دار المستقبل للنشر في الإسكندرية، وأعاد نشر جميع أعمال والده، ومنها أعمال لم يسبق نشرها.
كان سلامة موسى مهتماً بعلم النفس، ونشر كتاباً مبكراً عن أسرار النفس، وفي عام 1956 نشر كتاباً بعنوان دراسات سيكولوجية. نشر حديثاً الكاتب روبير فارس كتاباً عن كتابات سلامة موسى المجهولة، واستطاع بالبحث والتدقيق.. العثور على مقالات طويلة نُشرت في مجلة الهلال، وجريدة السياسة، وصحف أخرى، والكثير من هذه المقالات فيها نقد وتقريظ، ومديح ومشاغبة.. لكبار الأدباء في ذلك الوقت، حيث مدح أخلاق مصطفى لطفي المنفلوطي، إلا أنه انتقد أسلوبه.. الذي يُعنى بتأليف الجمل وحلاوة التعبير. وانساق وراء أستاذه الشيخ محمد عبده، فكتب قصيدة هجاء في الخديو السابق، كلفته بضعة شهور في السجن. وغضب الرافعي من سلامة موسى، وهاجمه في مقال ناري في الهلال في يناير 1924. ونفس الأمر حدث مع العقاد.. حين كتب قائلاً إن العقاد في سن الشباب، ولكن روحه تسكن جسد شيخ، فهو مهدَّم بالآمال العاتية التي تنال أمثاله.
دخل طه حسين في المعركة.. منجذاً لسلامة موسى؛ فكتب في عام 1924 في السياسة: سوف تستمر الخصومة.. كما استمرت في الآداب الأخرى، وفي كل زمان وكل مكان ينتصر الجديد على القديم، ثم يصبح الجديد قديماً، وتظل هكذا الحياة.
وفي مقال في الهلال عام 1925، يقول سلامة موسى: هناك خصلتان في الأدب العربي، حب القديم، وكثرة الصنعة. ويكتب في فبراير 1924: طه حسين هو من أهل المذهب الجديد، يُعنى بالفن.. أكثر مما يُعنى بالصنعة، ويُدخل الأدب العربي أشياء.. لم يحلم بها الأدباء العرب؛ مثل الدراما الأوروبية والتاريخ، ولا يبالي بتذويق عباراته.
بقيت نقطة، وهي أن تأثير سلامة موسى عليَّ في شبابي الأول.. كان شديد الضخامة، حيث قام بتغيير مساري الفكري.. من مصري تقليدي، إلى شاب مؤمن بالحداثة والجديد وأهمية العلم. إعادة قراءة نفس الكتب الآن.. قد تكون محبطة، لأنني عبَرت هذه المرحلة. عندما تزوجت ابنتاي هنا ومنى.. كانت هدية الزواج لكلتيهما أعمال سلامة موسى الكاملة، لتقديري أنها سوف توجههما في المسار العلمي الحداثي التقدمي.
)قوم يا مصري.. مصر دايماً بتناديك(.
نقلاً عن «المصري اليوم«