عادل نعمان
دلوني على قضية خلافية.. أثيرت في وسائل الإعلام المختلفة، أو على شبكة التواصل الاجتماعي، وافترق الناس حولها، وودوا أن يصلوا إلى شاطئ ومرسى معرفي محدد، وتم البت فيها أو اتضحت معالمها، أو بلغ الناس غايتهم ومنتهاهم في قرار – أو رأي علمي – يكشف الحقيقة كاملة، ويتبعها الناس دون تخبط أو انحياز مصطنع؛ فهذا يرفض وذاك يؤيد، وعلى خط التماس.. ملايين محبوسة الأنفاس، مهمومة بلقمة العيش، منصرفة ساكنة بلا التفات، وهي محل الرهان. وفي المدرجات، تعوَّد المتنافسون أن ينصروا أخاهم ظالماً أو مظلوماً، بل يعينوا الظالم على ظلمه علانية، ويمسحوا دمعة المظلوم سراً.
ماذا عن الكلاب الضالة.. التي سكنت الأرصفة والشوارع، تتمدد في أمان على قارعة الطريق، وتزحف في مواكب متراصة.. تهاجم الكبار والصغار؟! فهذا كلب ينهش جسد رضيع.. في مدينة رأس سدر، وذاك طفل يموت في الشرقية.. متأثراً بعقر أربعة كلاب ضالة، وطفل ثالث في منطقة ناصر (بمحافظة السويس).. يصارع الموت خمسة عشر يوماً، وقد كان الضحية في طريقه لصلاة الجمعة، فهاجمته كلاب ضالة شرسة.. حاول الإفلات منها، إلا أن القدر لم يُمهله.. فصدمته سيارة مسرعة، ومات المسكين بعد غيبوبة مؤلمة.
وبجوار مقام السيدة زينب، كان الطفل الذي يبلغ التاسعة من عمره.. على موعد مع حادث مأساوي راح ضحيته، بعد أن هاجمه كلب ضال.. أثناء لهوه أمام منزله، ما أدى إلى وفاته متأثراً بإصابته. أما طفل الصالحية الجديدة، فقد وصل المستشفى دون أحشاء داخلية، حيث نهشتها الكلاب «السعرانة». بالأمس فقط، تحاول بطلة سباحة صغيرة.. الهرب من كلاب الشوارع، فتصدمها سيارة مسرعة، ولا تفلت – بعد التصادم من هبش الكلاب الضالة – وهي بين الحياة والموت.
كان الله في عون أهالي المصابين والضحايا، حتى أطفال الكومبوندات.. لم يفلتوا من «العقر والهبش»، أحدهم في السادس من أكتوبر، راح ضحية الكلاب الضالة.
هذا جزء بسيط.. مما تم الإعلان عنه. وهناك آلاف مؤلفة، لم تجد نصيباً من الإعلان والنشر. فما قولكم في أن الأعداد الرسمية للكلاب الضالة في الشوارع، تتراوح من عشرة إلى أربعة عشر مليوناً (حسب تقديرات وزارة الزراعة). أما جمعيات الرفق بالحيوان فترفع الرقم إلى ثلاثة أضعاف.. «كلب ضال لكل ثلاثة مواطنين».
الغريب، أن الصراع محتدم بين طرفي الخصومة والمنافسة؛ الأجهزة الرسمية تحاول – على استحياء – مطاردة الكلاب، وصيدها بشباك ونقلها إلى «شلاتر» خاصة، وللأسف.. بإمكانيات بشرية ومادية محدودة. والأهالي المذعورون من هذه الكلاب، يطاردونها في الشوارع، ووصل الأمر إلى استخدام الأسلحة النارية والسم.
يبدو الأمر في الطريقتين – الرسمية والشعبية – غير إنساني، وتتلقفه جمعيات الرفق بالحيوان بالنقد والتهليل، وهو «بعض من الحق، وليس كله». ويبقى الحق الرئيسي – الذي تغافلت عنه هذه الجمعيات، وكتمت شهادته – وهو أرواح الناس، والرعب الذي يعيش فيه أهالي الأطفال. وكان الأولى بهذه الجمعيات.. الوقوف بجواره، مع التنبيه على ضرورة التعامل الإنساني. ولا أعرف السر وراء هذا التجاهل، وكأن الكلب الضال.. أهم من أرواح الناس، وهذا محل تساؤل وعلامة استفهام!!
نريد رأياً علمياً قاطعاً.. نثق فيه، ونساعد على تنفيذه، يشد فيه كل الأطراف الحبل.. في اتجاه واحد!! وماذا عن بيع الكلاب حية.. إلى دول لا تمانع في أن يكون لحم الكلاب شهياً على موائدها؟
أما عن قائمة الدكتور ضياء العوضي «الطيبات من الطعام»، فالغريب فيها.. أنها قد خالفت ما هو معلوم من الأنظمة العالمية للأغذية بالضرورة، وتُعد كسراً لقواعد صحية وغذائية.. استقرت ورسخت أعمدتها منذ قرون، والغريب أنها وجدت قبولاً لدى البعض، وأكاد أشم رائحة الإسلام السياسي في الأمر، وخلط التدين.. بالحقائق العلمية الراسخة، ولا أُخفي أن «العناد الاجتماعي» أحد أعمدة هذا التيار.
خطاب الدكتور العوضي.. جاء على جرح الغالبية من الناس، القبول عندهم والموافقة.. ليست حباً في علي ولكن كرهاً في معاوية، وعليك أيها القارئ.. أن تستدعي كل معاوية في حياتنا – وهم كثر – بداية من جهات تكتفي بالصمت حيال كل ما يمس حياة الناس، فتبدو في شقاق مع الشعب. إلى جشع التجار والوسطاء. وعجز الإدارات المعنية عن ملاحقتهم، فجاءنا ضياء العوضي حاملاً سيفاً من خشب، يمتطي حصاناً من ورق، ويحارب طواحين الهواء، وقد تعودنا – منذ قرون – أن نزحف ناحية الغيب والتغييب، والأساطير والتكذيب، ونحن نعلم إلى أين المصير.. إنه التمرد والعناد، وتخليص الحق.. بخناقة بين كل المظاليم، يقودها فتوة بالنبوت.. ضد أسلحة الدولة العصرية. ضياء العوضي نموذج يخرج علينا كل مائة عام، يجدد حياتنا إلى الأسوأ، هكذا قالوا عن التجديد في بلادنا.
نحن ما زلنا في الانتظار، وفض الاشتباك بين جمعيات الرفق بالحيوان.. «الكلاب الضالة» وجمعيات «الرفق بالإنسان». وكذلك هذا الصراع بين الأسلحة العصرية، ونبوت ضياء العوضي.
(الدولة المدنية هي الحل).
نقلاً عن «المصري اليوم»