Times of Egypt

ثلاث وثائق تعيد تشكيل الشرق الأوسط في القرن 21

M.Adam
سمير مرقص 

سمير مرقص

(1) «تفتيت وجيوسياسية جديدة وحروب»

ما يجري في إقليم الشرق الأوسط اليوم هو نتاج تصورات استراتيجية.. تبلورت زمنياً عبر وثائق ثلاث؛ صيغت بتأنٍّ وتدرُّج منذ مطلع الثمانينيات في القرن الماضي.. حتى بداية الألفية الجديدة، في مراكز الفكر الاستراتيجية وثيقة الصلة بدوائر صُنع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإبادي. ونحن لا نستعيد تلك الوثائق من منطلق إثبات نظرية المؤامرة على الإقليم، دولاً ومجتمعات؛ وإنما انطلاقاً من التأكيد على أن ما جرى – ويجري – في الشرق الأوسط، منذ «سايكس بيكو» حتى اليوم، وإن اختلف الفاعلون، هو نتاج جدل هيمنة الخارج واختلالات الداخل. 

وقد استهدفت الوثائق الثلاث تحقيق ما يلي: 

أولاً: «تفتيت» الإقليم لصالح إسرائيل، وهو ما صاغته الوثيقة الأولى المعنونة: «الخطة الصهيونية للشرق الأوسط The Zionist Plan for Middle East».. التي كتبها مستشار شارون «أودد ينون» في 1982.. بدورية كيفونيم (ترجمها الأستاذ بالجامعة العبرية إسرائيل شاهاك في 1983 إلى العربية). 

ثانياً: إعادة صياغة الأولويات الاستراتيجية الأمريكية-الإسرائيلية، ومن ثم السياقات المجتمعية الإقليمية.. لتتوافق مع تلك الاستراتيجيات، وهو ما بلورته الوثيقة الثانية المعنونة: «الانقطاع الحاسم: نحو استراتيجية جديدة لتأمين المجال الحيوي للكيان (إسرائيل) A Clean Break: A New Strategy for Securing the Realm»، التي أصدرها معهد الدراسات الاستراتيجية والسياسية المتقدمة سنة 1996. 

ثالثاً: الخطة العملية لتحقيق ما سبق من خلال الحروب والتصفيات والاضطرابات.. في دول ومجتمعات الإقليم، وهو ما فصلته الوثيقة الثالثة المعنونة: «الإبحار في وسط الاضطراب: أمريكا والشرق الأوسط في القرن الجديد Navigating through Turbulence: America & The Middle East In A New Century»، التي أصدرها معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى في يناير 2001. نستعرض الآن أهم ما ورد في تلك الوثائق.

(2) «الوثيقة الأولى: الخطة الصهيونية للشرق الأوسط»

في فبراير من عام 1983، نشرت دورية «الأهرام الاقتصادي» جانباً من نص الوثيقة، وعلق عليها آنذاك المفكر الكبير الأستاذ محمد سيد أحمد، والكاتب الصحفي المخضرم حمدي فؤاد، وقد كان لكاتب هذه السطور.. فرصة التعليق على الوثيقة تفصيلاً، بعد الحصول على النص الكامل في جريدة الأهالي (16 مارس 1983) حيث كتبنا الآتي: 

أولاً: إعلان إسرائيل نفسها بأنها حامية لقوى الغرب ومصالحه في الإقليم. 

وثانياً: أنها ستسعى خلال عقد الثمانينيات، أن تصبح قوة كبرى ومنفردة في الإقليم. 

وحول ما سبق نقتطف ما يلي: «لن تعود إسرائيل الدولة التي تتلقى الأوامر.. لتأدية مهام تكلف بها، وإنما صارت هي المدبرة والمنفذة في آن واحد». 

وثالثاً: إعادة رسم المنطقة خريطة المنطقة من جديد، بما يكفل الهيمنة الإسرائيلية المطلقة.. من خلال «تفتيت دولها إلى دويلات عنصرية وطائفية وعرقية.. صغيرة وضعيفة وتابعة، تكون متنابذة». 

لم تكن هذه الرؤية مجرد تنظير أكاديمي، بل عكست إدراكاً مبكراً لطبيعة الهشاشة البنيوية.. في عدد من الدول العربية، حيث يمكن تحويل التعددية إلى أداة صراع.

(3) «الوثيقة الثانية: الانقطاع الحاسم لتأمين الكيان»

أما الوثيقة الثانية، «A Clean Break»؛ فقد مثلت نقلة نوعية من التفكير الدفاعي إلى التفكير الهجومي. أُعدت هذه الوثيقة في منتصف التسعينيات.. لمصلحة القيادة الإسرائيلية الجديدة آنذاك، ودعت إلى التخلي عن منطق «الأرض مقابل السلام».. الذي حكم عملية التسوية، واستبداله برؤية تقوم على فرض الوقائع بالقوة، وإعادة صياغة البيئة الإقليمية.. بما يخدم المصالح الإسرائيلية، كذلك تغيير الأنظمة في الدول المحيطة – خاصة في العراق – باعتبار أن إسقاط نظام معادٍ، يمكن أن يفتح الباب أمام إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية. والعمل على إضعاف الدول المركزية.. التي تشكل تهديداً محتملاً. 

وقد تلاقت الوثيقة الصادرة سنة 1996، مع عقيدة التوسع الإسرائيلية التاريخية Expansionism Doctrine – التي التزم نتنياهو بتفعليها، والتي عبر عنها بـ «سلام الردع» Peace of Deterrence؛ وهو السلام الذي لا يقر مبدأ «الأرض مقابل السلام»، الذي لا يتوافق مع عقيدة التوسع الإسرائيلية. (لمزيد من التفاصيل حول رؤية نتنياهو يمكن مراجعة كتابه (سلام دائم: إسرائيل ومكانها بين الأمم A Durable Peace: Israel & Its Place Among The nations).

(4) «الوثيقة الثالثة: الحروب والفوضى وتغيير الإقليم»

وأخيراً نأتي إلى الوثيقة الثالثة – التي قُدمت إلى بوش الابن في 20 يناير 2001 – الإبحار في بحر مضطرب Navigating Through Turbulence؛ الذي ذكر فيه صراحة مساندة أمريكا للردع الإسرائيلي.. حسب ما ورد في التقرير Bolster Israeli Deterrence وReinforce Israeli deterrence ــ قد رجعنا لهذا التقرير في أكثر من مناسبة مبكراً، وقبل كثيرين، وذلك بداية من 2002، إذ مثل دليل عمل.. لكل ما جرى في الإقليم على مدى أكثر من عشرين سنة لاحقة؛ حيث أشار إلى الحروب التكتيكية.. التي على إسرائيل أن تخوضها؛ مثل حرب يوليو (تموز) 2006 تطبيقاً لما تصوره التقرير؛ باعتبارها الحرب التي من شأنها تمهيد الطريق لإسرائيل.. لتكون القوة الإقليمية الكبرى، كما أشار إلى التمهيد والاستعداد لمرحلة ما بعد عرفات Post Arafat Era ، للسير في مسار سلامي مغاير.. يصفي المسألة الفلسطينية وقطاع غزة، والقبول بتركيا وإيران – بعد تقليم أظافرها – كقوى تالية لإسرائيل في الإقليم… (لمزيد من التفاصيل يمكن الرجوع إلى الطبعة الجديدة المزيدة والمنقحة من كتابنا الحماية والعقاب: الغرب والشرق الأوسط والمسألة الدينية).. 

وبعد، إن قراءة مضامين تلك الوثائق الثلاث.. لا يُقصد بها إثبات «أن كل شيء كان مخططاً»، بل لفهم كيف تُبنى الاستراتيجيات طويلة المدى، والتعلم كيف يمكن مواجهتها.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة