Times of Egypt

نبيل فهمي أميناً على الجامعة العربية

M.Adam
د. أحمد يوسف أحمد  

د. أحمد يوسف أحمد

أثار قرار المجلس الوزاري الأخير للجامعة العربية.. باختيار السيد نبيل فهمي أميناً عاماً للجامعة العربية، خلفاً لأمينها القدير السيد أحمد أبو الغيط.. ارتياحاً واسعاً في الأوساط المصرية والعربية؛ فمن يؤتمن على مسيرة الجامعة – في هذه الظروف بالغة الصعوبة – خير من هذا الدبلوماسي المصري البارع؟ الذي شغل أهم المواقع الدبلوماسية.. وصولاً إلى تولي الوزارة – في توقيت بالغ الحساسية والصعوبة – فترك في كل موقع شغله.. بصمته الواضحة الواثقة، وعُرِف برزانته وموضوعيته وعلاقاته المتوازنة، ناهيك بالبعد الأكاديمي البارز في مسيرته؛ حيث تولى منصب عميد كلية الشؤون الدولية والسياسات العامة بالجامعة الأمريكية في القاهرة.. لسنوات عديدة، وله عدد من المؤلفات التي عكست خبراته العملية المهمة، فضلاً عن مقالاته وحواراته الرصينة.. في كبريات الصحف المصرية والعربية والأجنبية، عن أهم القضايا العربية والإقليمية والعالمية.

 غير أن الاحتفاء العام بتولي السيد نبيل فهمي.. منصب الأمين العام للجامعة، يجب ألا يصرفنا عن التحديات الجسيمة التي تواجهها؛ وتنطوي على مخاطر حقيقية.. على فاعليتها ومستقبلها، على نحو يقتضي من جميع المؤمنين بالرابطة العربية.. التكاتف وتقديم المساعدة بالفكر والعمل، من أجل ضمان استمرار الجامعة وفعالية دورها. 

وأول التحديات – التي أتصور أن يتصدى لها الأمين العام الجديد – هو الدفاع عن وجود الجامعة ذاته؛ ذلك أنه.. نتيجة العجز الواضح عن تحقيق الأهداف العربية في عدد من القضايا الرئيسية – وعلى رأسها القضية الفلسطينية – درج خصوم العمل العربي المشترك على الترويج لفكرة عدم جدوى الجامعة.. والحاجة إليها أصلاً. والواقع، أنه من الضروري تفنيد هذه الفكرة؛ فعجز المنظمات الدولية – التي لا تتمتع بسلطة.. فوق سلطة حكومات الدول الأعضاء فيها – ظاهرة عامة، لا تخص الجامعة العربية وحدها. وإلا فلنراجع أداء الأمم المتحدة ذاتها، ودورها في قضايا السلم والأمن العالميين؛ بما في ذلك عجز مجلس الأمن.. عن حل أي قضية مصيرية في هذا الصدد؛ كالاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية، والحرب في أوكرانيا.. وهلم جرا.

 والسبب – كما يعرف الجميع – هو بنية المجلس ذاته.. التي لا تمكنه من إصدار أي قرار، إلا بالموافقة الإجماعية للدول الخمس الدائمة العضوية. ونظراً لتضارب مصالحها، فمن النادر أن يتحقق الاتفاق بينها. وحتى عندما ينجح المجلس في إصدار قرار، فإنه لا يتمكن من تنفيذه؛ كحال القرار 242 – الذي كادت ستة عقود تنقضي على إصداره، دون أن يكتمل تنفيذه – وحتى ما نُفذ منه على الجبهة المصرية، يعود الفضل فيه لحرب أكتوبر والدبلوماسية المصرية. ومع ذلك، فإن أحداً لا يطالب بإنهاء وجود الأمم المتحدة.. على الأقل؛ لأنها تنجح في تحقيق توافق أحياناً في بعض القضايا، كما تحقق إنجازات أخرى في الميادين غير السياسية. وينطبق الأمر نفسه على الجامعة العربية.. التي تعاني عدم التوافق بين أعضائها في قضايا مهمة.

 لكن المهم، أنه عندما تحقق هذا التوافق.. تمكنت الجامعة من أن تكون الآلية، التي تم من خلالها التصدي الناجح لتحديات جسيمة؛ كما حدث في مطلع ستينيات القرن الماضي.. بالنسبة للمطالبة العراقية بالكويت، وكذلك لتداعيات هزيمة 1967.. وصولاً إلى المعادلة غير المسبوقة للأمن العربي في حرب أكتوبر 1973. ويجب أن تكون هذه الحقائق واضحة أمام الرأي العام العربي، ونخبه السياسية والثقافية.. حتى لا ينزلق أحد للمناداة بالخلاص من الجامعة العربية، بدعوى عدم جدواها؛ لأن المشكلة ليست في الجامعة، وإنما في طبيعة العلاقات بين أعضائها. 

ومع ذلك، قد يبدو هذا التحدي هيناً.. إذا قورن بغيره من التحديات. فسوف يواجه السيد نبيل فهمي حالة انقسام فعلي.. في ثلاث دول عربية على الأقل، ناهيك – بدرجة تنذر بالخطر – من عدم الاستقرار في ثلاث أخرى، فضلاً عن الانقسام الفلسطيني المزمن.. الذي يُعد – في تقديري – السبب الرئيسي لعدم تحقيق تقدم.. على طريق استعادة الحقوق الفلسطينية. ولقد نأت الجامعة بنفسها – عادة – عن التدخل لتسوية الصراعات الداخلية، واكتفت على أحسن الظروف.. بالاعتراف بأحد الأطراف المتصارعة؛ بينما يتطلب تحقيق الاستقرار – والحفاظ على السلامة الإقليمية لهذه الدول – نهجاً أكثر شمولاً.. يحاول التوصل لتسويات مرضية، في إطار المطالب المشروعة لأطراف الصراعات، والتصدي للتدخلات الخارجية المغرضة فيها. وعلى الصعيد العربي، لا يستطيع أحد إنكار غياب الرؤية المشتركة في قضايا عربية محورية.. بما في ذلك القضية الفلسطينية، التي توصف بأنها قضية العرب الأولى، وهو وضع لا بد من تجاوزه.

 وأحسب أن خبرة الأمين العام الجديد وموضوعيته، وكذلك افتضاح النوايا الإسرائيلية.. بما لا يترك مجالاً لشك، تمثل كلها عوامل مساعدة على الخروج من هذا المأزق. كذلك ما زالت هناك خلافات عربية بينية.. تؤثر بالسلب على قدرة النظام العربي على مواجهة التحديات، كما هو الحال – على سبيل المثال – في الخلاف المغربي-الجزائري وغيره من الخلافات. 

ومرة أخرى، فقد درجت الممارسات على تفادي التصدي لهذه القضايا الشائكة، وأحسب أن الوقت قد حان لتغيير هذا النهج، واعتماد نهج بديل.. يتصدى – بكل الحكمة والرَوِيَّة – لهذه الخلافات، ولنُفَعِّل في هذا الصدد.. مجلس السلم والأمن العربي؛ وبالذات هيئة الحكماء في المجلس.. التي لم يتم تفعيلها أبداً. أما علاقات العرب الإقليمية.. فسوف تمثل إحدى المهام فائقة الصعوبة.. أمام الأمين العام الجديد.

 ومع كل الترحيب بالتطورات الإيجابية في العلاقات العربية.. بقوى إقليمية مهمة كتركيا وباكستان، فإن التدمير الذي أصاب العلاقات العربية-الإيرانية.. بفعل الحرب الجارية، يجب أن يمثل هاجساً لنا. 

ويبقى البحث عن الصيغة المثلى لمعادلة تحقيق الأمن العربي، وعلاقة ذلك بالموقف إزاء القوى الكبرى والعظمى.. قضية رئيسية، بكل ما تحمله الكلمة من معنى. 

أعان الله أميننا العام الجديد، وسدد خطاه، ولتمتد له كل الأيدي العربية المخلصة – أفراداً ومراكز بحثية وقوى مجتمع مدني – من أجل مستقبل عربي أفضل.

نقلاً عن «الأهرام» 

شارك هذه المقالة