د. أحمد يوسف أحمد
عندما يُنشر هذا المقال بإذن الله.. يكون قرابة شهر وأسبوع من عمر العدوان الإسرائيلي-الأمريكي على إيران قد قارب الاكتمال، ويستمر الجدل حول مصير الحرب؛ وهل تنتهي بالحسم العسكري؟ أم التسوية التفاوضية؟ أما الحسم العسكري فيحدث إذا انتصر التحالف الإسرائيلي-الأمريكي على إيران، لأن العكس – وهو انتصار إيران عسكرياً – غير وارد.. بسبب ميزان القوى العسكري المختل لغير صالحها، وإنما أقصى ما يمكن أن تحققه.. هو الصمود بوجه العدوان، وتكبيد المشاركين فيه خسائر مؤثرة، وهو ما يمهد للسيناريو الثاني.. أي التوصل لتسوية، بسبب عجز الطرف الذي بادر بالحرب.. عن تحقيق أهدافه بالقوة العسكرية، مما يدفعه لقبول تسوية ما تتيح له الادعاء بأنه انتصر.
وتُظهر التطورات حتى الآن، أن التحالف الإسرائيلي-الأمريكي عاجز عن إجبار إيران على الاستسلام.. رغم فداحة خسائرها، كما تُظهر قدرة إيران على إلحاق خسائر مؤلمة بإسرائيل، واللعب بورقة الطاقة.. لتوليد ضغوط خارجية مضادة للتصعيد الإسرائيلي-الأمريكي.
وحتى الآن مازال سلوك التصعيد هو السائد – وهو السلوك الذي بلغ ذروته بتهديد ترامب، السبت الماضي – بمحو محطات الطاقة الكهربائية الإيرانية، إذا لم تُعِد طهران فتح مضيق هرمز في غضون 48 ساعة، ورد إيران بتهديد مماثل.. باستهداف «البنى التحتية للطاقة وتكنولوجيا المعلومات وتحلية المياه التابعة للولايات المتحدة في المنطقة»؛ وهو تهديد يكتسب صدقيته من سلوك إيران السابق، وكان آخر مظاهره ردها على ضرب منشأة نطنز النووية.. بتوجيه ضربتين صاروخيتين مباشرتين إلى جنوب إسرائيل، استهدفت إحداهما منطقة ديمونا – التي تضم مفاعلاً نووياً – وقبل انتهاء مهلة الـ 48 ساعة.. أعلن ترامب تأجيل الهجوم على محطات الطاقة الإيرانية لمدة 5 أيام؛ مبرراً ذلك بأن الولايات المتحدة وإيران أجرتا – خلال اليومين السابقين على إعلانه – محادثات جيدة جداً وبناءة.. حول التوصل لتسوية شاملة وكاملة لخلافاتهما في الشرق الأوسط.
وكما تعودنا – مع ترامب، وفي تصريحاته التي يناقض بعضها بعضاً أحياناً، ويعدل عنها أو يناقضها أحياناً أخرى – فقد ثار الجدل مجدداً حول حقيقة تراجعه عن تنفيذ تهديده؛ فذهب أحد التفسيرات إلى أن ثمة جهوداً جادة بالفعل.. تبذلها مصر وعُمان وتركيا وباكستان، بين إيران والولايات المتحدة.. لوقف التصعيد، والتوصل لمخرج دبلوماسي من الحلقة المفرغة الراهنة للعنف. وأن تأجيل ترامب لتنفيذ تهديده يهدف لإعطاء فرصة أفضل لنجاح هذه الجهود، خاصة أن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تتمكنا من تحقيق الحسم العسكري حتى الآن.
بينما ذهب تفسير آخر.. إلى أن هذا التأجيل ليس سوى استمرار للعبة الخداع الأمريكية، التي سبق اللجوء لها مرتين؛ الأولى: قبل عدوان يونيو 2025.. حين بدأ الهجوم الإسرائيلي أثناء المفاوضات الأمريكية – الإيرانية. والثانية: في العدوان الحالي.. الذي بدأ بعد ساعات من الإعلان عن تحقيق تقدم حقيقي في المفاوضات، ووفقاً لهذا التفسير فإن إعلان مد المهلة قبل توجيه الضربة لـ 5 أيام، لا يعكس أي تغير في النهج الأمريكي، وإنما هو مجرد تحرك تكتيكي لهدف مزوج؛ شقه الأول: إحداث نوع من الطمأنة بهدف تخفيض أسعار النفط، وهو ما حدث بالفعل. والثاني: توفير الوقت الكافي لوصول السفن الحاملة للقوة التابعة لمشاة البحرية الأمريكية لمسرح العمليات، تمهيداً لعملية إنزال بري مرتقبة كخطوة تالية في خطة العمليات، وهو تفسير يتسق مع نموذج السلوك الأمريكي.. الذي لجأ غير مرة للإيهام بوجود تقدم على الصعيد الدبلوماسي، كنوع من الخداع وتشتيت الانتباه عن النوايا الحقيقية.
ويُلاحظ أن المصادر الإيرانية الرسمية نفت كل ما يقوله ترامب.. عن سعيها لوقف إطلاق النار ووجود مفاوضات جارية بين الطرفين، ورغم أن كل شيء جائز – ولو بأشكال مختلفة – فمن الممكن أن تكون هناك صدقية لوجهة النظر الإيرانية، بسبب تكرار حديث ترامب عن أشياء وهمية، كحديثه عن طلب قيادات إيرانية الاستسلام مقابل الأمان، أو وجود قائمة بأسماء لديه.. يبحث في اختيار أحدها لقيادة إيران، أو التدمير الكامل للبحرية الإيرانية، أو أن إيران قد تم محوها من خريطة العالم تماماً.. فيما هو عاجز عن إنهاء تحكمها في عبور السفن مضيق هرمز، فهل يعني ما سبق أن الحديث عن تسوية سياسية مجرد وهم؟
لا شك أن هناك دوافع حقيقية لأطراف عديدة في المنطقة؛ في مقدمتها مصر التي تسعى بجدية لوقف الحرب، والتوصل لتسوية تصلح مقدمة لحل جذري لمشكلات الأمن في المنطقة. وليس سراً أن هذه الأطراف كافة، كانت ضد قرار الحرب أصلاً، إدراكاً منها لخطورة تداعياتها على الجميع، لكن ضغوطها على الإدارة الأمريكية لثنيها عن قرار الحرب لم تُثمر، نظراً لأن النية كانت مبيتة لشن العدوان؛ سواء لأن إسرائيل تعتبر أن استمرار النظام الإيراني الحالي.. يمثل خطراً وجودياً عليها، أو لأن الولايات المتحدة تريد أن تكون لها اليد العليا على نفط العالم، حتى تستطيع امتلاك ورقة ضغط مهمة في مواجهة الصين.. التي تزحف باقتدار نحو القمة، ويصعب تصور تراجع كل من إسرائيل والولايات المتحدة – وبالذات إسرائيل – عن أهدافها طالما بقي لها الأمل في تحقيق انتصار.
ولذلك فإن مفتاح التسوية.. يكمن في استمرار صمود إيران، وقدرتها على إلحاق الضرر بخصومها، على النحو الذي يُجبرهم على قبول تسوية، وهو ما حدث على سبيل المثال في أفغانستان.. حين توصل ترامب لاتفاق مع طالبان، نُفذ في السنة التالية في ظل رئاسة بايدن، واستعادت طالبان بموجبه السلطة تماماً.. كما كانت قبل الغزو الأمريكي 2001، وسوف يُمثل التوصل لتسوية نقطة نهاية للخسائر الجسيمة لدول المنطقة، ونقطة بداية لعملية إعادة الإعمار الشاقة لديها، غير أن عملية إعادة الإعمار السياسي.. ستكون أشق بكثير، وهو ما يصلح موضوعاً لمقالٍ منفصل.
نقلاً عن «الأهرام»