عبدالله عبدالسلام
السرقات العلمية والأكاديمية.. مزدهرة للأسف في مصر. قبل عقد من الزمان، كانت مصر ضمن قائمة: «الأكثر انتحالاً» في مجال النزاهة العلمية. مؤشر النزاهة العلمية أدرج العام الماضي 3 جامعات مصرية (المنوفية وبني سويف والمستقبل) تحت العلامة الحمراء.. التي تشير إلى مخاطر عالية فيما يتعلق بالنزاهة أو ممارسات ما يسمى بـ«مصانع الأبحاث»، وهي شركات أو جهات تقدم أبحاثا رديئة أو مزيفة. بعض الجامعات اتخذت إجراءات مشددة لتقليل هذه الجرائم.. لكن طريقة التعامل مع اتهام وزيرة الثقافة الجديدة بالاستيلاء على محتوى فكري.. وصدور حكم قضائي بذلك، من شأنه أن يسيء إلى سمعة مصر في مجال النزاهة العلمية والفكرية، ويلقي ظلالاً من الشك حول قدرتنا، أو بالأحرى رغبتنا – كمجتمع وحكومة – في مواجهة الظاهرة.
قضية الدكتورة جيهان زكي مثارة منذ فترة، وليست وليدة تعيينها وزيرة للثقافة الأسبوع الماضي. الكاتبة الصحفية سهير عبدالحميد.. اتهمت الدكتورة بالسطو الأدبي على أجزاء من كتابها: «سيدة القصر.. اغتيال قوت القلوب الدمرداشية» الصادر 2022، واستخدامه في كتاب صدر لاحقاً بعنوان: «كوكو شانيل وقوت القلوب». المحكمة الاقتصادية قضت بسحب الكتاب، وتعويض السيدة سهير عبدالحميد مادياً. الحكم واجب النفاذ حتى مع الشروع في النقض. كان يمكن أن تظل القضية في المسار القضائي، لكن جرى استخدامها كرة.. تتقاذفها السياسة والمصالح، بعيداً عن العدالة وعن الهدف الأكبر، وهو حماية سمعة مصر العلمية والفكرية. كثيرون سارعوا للدفاع عن الدكتورة بعد أن أصبحت وزيرة. في حين لم يهُبوا قبل ذلك لمساندتها. بل ربما لم يكونوا على علم بالقضية.
قضية الانتحال العلمي والفكري منتشرة في شتى أنحاء العالم.. من اليابان إلى ألمانيا والنرويج وغيرها. وزراء ومسؤولون كبار، تخلوا عن مناصبهم بعد ثبوت تورطهم. رئيسة جامعة هارفارد كلاودين جاي استقالت من منصبها عام 2024.. على خلفية اتهامها بالسرقة العلمية. الفارق بيننا وبينهم طريقة التعامل. عندما تؤكد لجنة علمية مستقلة حدوث السرقة.. لا مجال للشك أو الاعتراض. في كثير من الأحيان لا يتم الوصول إلى المسار القضائي.
سمعة الدول وجامعاتها.. أكبر من الأشخاص، وما تبنيه الأمم في سنوات، يضيع في لحظات.. نتيجة التساهل في طريقة التعامل. وزارة العلوم الصينية قررت قبل أسبوع.. اتخاذ إجراءات صارمة ضد الجامعات التي لا تُجري تحقيقات، أو تعاقب الباحثين المتورطين في مخالفات بحثية جسيمة. العقاب لن يكون فقط على الباحث المُدان، بل على المؤسسة التي يعمل فيها أيضاً.
المسألة لا تخص الجامعات والمؤسسات العلمية فقط، بل كل من يعمل في مجال البحث والتأليف والشأن الثقافي عامة.
كنت أتمنى أن يتم حسم قضية وزيرة الثقافة بسرعة، وعدم تركها معلقة ومثارة في المجال العام. محكمة النقض تأخذ وقتا طويلا في العادة للبت في القضايا المعروضة عليها. هذا الأمر لن يكون إيجابياً بالنسبة لصورة مصر أمام العالم.. فيما يتعلق بالنزاهة العلمية والفكرية. وبالتأكيد لن يساعد الوزيرة كثيرا في عملها الوزاري.
القضية هنا لا تتعلق بأشخاص.. مع الاحترام للجميع. هناك سباق عالمي في مجالات البحث العلمي والتأليف والإبداع.
استمرار القضية لا يخدم مصر.
نقلاً عن «المصري اليوم»