محمود محيي الدين
بمناسبة انعقاد اجتماع وزراء المال ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة العشرين.. بمدينة أشفيل الأمريكية مطلع الشهر الحالي، وجَّه أندرو بيلي – محافظ بنك إنجلترا المركزي – بصفته رئيساً لمجلس الاستقرار المالي، خطاباً يمكن تلخيص محتواه وتبسيطه في 7 نقاط:
- إن الصراع في الشرق الأوسط.. ما زال يؤجج الضغوط التضخمية، المدفوعة بارتفاعات في أسعار الطاقة.
- إن الأسواق أمست شديدة التعرض «لتصحيح غير منظم».
- إنْ حدث هذا التصحيح، فستكون له انعكاسات عابرة للحدود، خصوصاً مع هشاشة سوق السندات؛ على النحو الذي سأوضحه أدناه.
- ويزيد من هذا.. من وهن سوق الائتمان الخاص.
- كما يعمقه التقييمات «الممطوطة» للأسهم، خصوصاً فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي.
- ويضخم أثر التصحيح المحتمل.. زيادة الاعتماد على أسلوب «الرافعة» في شراء الأسهم؛ بمعنى الاقتراض، بافتراض استمرار انخفاض أسعار الفائدة، لتمويل المضاربة.. رهاناً على ارتفاع أسعار الأسهم.
- كما يرتفع التركز في أسهم بعينها للذكاء الاصطناعي.
سيزيد هذا كله من احتمالات تصحيح كبيرة للسوق، وهي اللغة المخففة لوصف انخفاضات حادة.. متوقعة في السوق، إلا إذا اتُخذت تدابير لاحتوائها والتخفيف منها.
أهمية هذا الخطاب، تأتي من جهة إصداره.. المتمثلة في هذا المجلس، الذي تأسس في أعقاب الأزمة المالية العالمية لعام 2008، 0وتحديداً في قمة لندن لقادة مجموعة العشرين في 2009) – ليحل محل منتدى الاستقرار المالي، الذي كان قد تأسس في عام 1999، بعد أزمة مالية أخرى لحقت بالأسواق الناشئة، اندلعت في عام 1998 – فلكل أزمة تشتعل.. مؤسسة على قدرها، تنشأ في أعقابها لمنع تكرارها؛ ولكن هيهات؛ فالعبرة بالاتعاظ بدروس التاريخ.
على أي حال، أصبح هذا المجلس – الذي تتخذ سكرتاريته مقراً في مدينة بازل السويسرية التي تحتضن أيضاً بنك التسويات الدولية المعروف ببنك البنوك المركزية – يختص بالتنسيق على المستوى الدولي بين السلطات الرقابية، وجهات وضع المعايير المالية لتطوير العمل الرقابي، والسياسات المالية.. بهدف تحقيق الاستقرار المالي العالمي. وها هو يحذر ويوصي باتخاذ الاحتياطات، ويُعلي من أهمية قدرات المواجهة والتعافي. ويخص المجلس – بمزيد من الذكر هذه المرة – الذكاء الاصطناعي.. والمخاطر السيبرانية المرتبطة به، بعد بزوغ نماذج لتطبيقاته عالية التعقيد والاستقلال.. في إمكاناتها على علاج المشكلات، وأيضاً قدراتها على التخريب.
وهناك أمثلة متزايدة.. على ما يهدد النظم المالية والمرافق العامة، من مخاطر سيبرانية بتكاليف باهظة، فضلاً عن مظاهر لإزاحة الاستثمار الخاص، لحساب تمويل شركات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، تزيد من التركز ومخاطره، وكذلك التبعات البيئية وزيادة تكاليف الطاقة والمياه.
وفي رأيي، أن السندات الدولية فقدت مؤخراً جانباً كبيراً.. من دورها في التحوط في محافظ التمويل، بعدما شهدته هذه السوق من تغيرات حادة – في الأسابيع الماضية – بتدخلات من الخزانة الأمريكية؛ مرة مع اليابان لدعم الين، حتى لا تلجأ اليابان لبيع المزيد من السندات الأمريكية.. على النحو الذي شرحته في مقال سابق في هذه الصحيفة الغراء، ومرة أخرى بمضاعفة عمليات إعادة الشراء للسندات طويلة الأجل.. بعد ساعات من الإعلان عن تجاوز الدين الأمريكي 40 تريليون دولار.
نعم انخفض عائد السندات لأجل 30 سنة.. بعشر نقاط فقط في ساعات. ولكن – في خلال يومين – عاد العائد للارتفاع بأعلى من مستوى التدخل. والأمر- كما وصفته صحيفة «وول ستريت» – «انتصار سكوت بيسنت.. وزير الخزانة الأمريكية، كان عابراً؛ إذ فرض المستثمرون إرادتهم على السوق». إذ لم يحقق التدخل أهدافه بتخفيض أسعار الفائدةح ليس لأسباب فنية.. ولكن لمعضلات اقتصادية هيكلية؛ فالتضخم عنيد، وبلغ 3.4 في المائة.. متجاوزاً الهدف المعلن وهو 2 في المئة، وهو أعلى في الولايات المتحدة من متوسطات مجموعة العشرين. وعجز المالية العامة بلغ 6 في المئة وهو ضعف الهدف المعلن. وتزيد احتمالات استمراره، وتكلفة الدين العام.. بزيادة الفجوة التمويلية، مع ارتفاع لتكلفة تجسير هذه الفجوة.. باقتراض جديد، عند أسعار فائدة أعلى.
وتستبعد استطلاعات الرأي أي احتمال لتخفيض أسعار الفائدة، ولهذه الاعتبارات المتعارضة – بين هدف التخفيض الذي تقوده الرغبة السياسية للرئيس دونالد ترامب.. بدعوى دفع النمو ومساندة القطاع العقاري، وإرسال إشارات للناخبين قبل الانتخابات النصفية. وهدف رفع سعر الفائدة.. لتحجيم التضخم الذي أشار رئيس البنك الفيدرالي كيفين وورش للاستعداد إلى اتخاذه – ستحسم قرارات البنك الفيدرالي في اجتماعَيه المقبلَين (في هذا الشهر وفي شهر ديسمبر المقبل). فبعد صدور تقرير أفضل من المتوقع عن سوق العمل، ثم تقرير التضخم الذي صدر يوم 11 سبتمبر الحالي باستمرار ارتفاعه، تزيد فرص رفع سعر الفائدة قبل نهاية هذا العام.
وبناء على ما هو متاح اليوم من بيانات، وبمواءمة الاعتبارات السياسية لانتخابات التجديد النصفي، فسيكون القرار بالتثبيت، وإن كان الرفع أولى، في اجتماع سبتمبر، وبالرفع حتماً في اجتماع ديسمبر. وللتذكرة، فالبلدان النامية مرتفعة المديونية.. أكثر انكشافاً لمخاطر رفع أسعار الفائدة.
لقد دأب البعض على ذكر أن البورصات مرايا للاقتصادات، وأن السوق المالية هي ظل الاقتصاد.. تحاكيه في حركته وسكونه وانطلاقه وركوده. ولكن هذا لا ينطبق بالأدلة على ما نراه من عبث أسواق تزدهر.. مع أنباء عن ارتفاع البطالة، وتنتكس لظهور تقارير إيجابية عن التشغيل؛ لأن هذا ينذر برفع الفائدة. وهي قد أدمنت التمويل بالائتمان الرخيص، تستثمره في حفنة مركزة من الأسهم.. لشركات لا تبالي بما يجري في سائر الاقتصاد، إلى حين.
نقلاً عن «الشرق الأوسط»