تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

هل أخطأ البابا «لاون» باقتحام عالم السياسة؟

M.Adam
زياد بهاء الدين 

زياد بهاء الدين

 المعركة الكلامية الساخنة الدائرة منذ أيام.. بين الرئيس الأمريكي «ترامب» وأعوانه، وبين رأس الكنيسة الكاثوليكية «البابا لاون الرابع عشر» وأنصاره.. معركة مهمة وتستحق الفهم والمتابعة. 

… باختصار شديد، فإن «البابا لاون» أطلق خلال الأسبوعين الماضيين عدة تصريحات، دعا فيها لوقف الحروب الدائرة في العالم.. وبخاصة في الشرق الأوسط. وبما أن مثل هذه الدعوة للسلام.. متوقعة من رجل دين بهذا المقام الرفيع، إلا أن الملفت.. أنه تجاوز في حديثه التعبيرات المعتادة في هذه الظروف، وتكلم بشكل واضح.. عن ضرورة وقف الأعمال العسكرية في الشرق الأوسط، واصفاً ما يجري.. بأنه غير أخلاقي، وغير مشروع، ومخالف للقانون الدولي. ثم ذهب لأبعد من ذلك.. بدعوة المواطنين الأمريكيين للاتصال بنوابهم في الكونجرس، لمناشدتهم وقف الحرب. 

الرئيس الأمريكي – المعروف بسرعة رده وحدة تعبيراته – لم يتردد في مهاجمة البابا «لاون»، ووصفه بأنه سيئ في فهمه للسياسة الخارجية، وضعيف في مناهضته للجريمة، وليبرالي أكثر مما يجب. ثم تولى نائبه «فانس» مواصلة انتقاد البابا. 

المشهد غير عادي، وقد احتل مساحات واسعة في الإعلام الدولي، واستقطب متابعات هائلة على صفحات التواصل الاجتماعي. ولكن الحقيقة.. أنه لا يتعلق بخلاف عادي، ولا بمعركة إعلامية يتسلى بها الناس، بل قد تكون لحظة فاصلة ذات أبعاد تهمنا. 

البعد الأول: أن موقف «البابا» يعبِّر عن زيادة الضيق والغضب واليأس.. الذي أصاب جانباً كبيراً من الرأي العام العالمي من الحروب الإسرائيلية / الأمريكية الأخيرة؛ وخاصة في منطقتنا المنكوبة. والقتل والدمار والتهجير، والاستهتار بالحياة الإنسانية وبالقانون الدولي، وبالتبعات الاقتصادية الهائلة لكل هذا الدمار. لهذا، فاقتحام «البابا لاون» لهذا الموضوع.. قد يعبر عن تغيير عميق في مواقف عدة دول أوروبية ولاتينية.. فيها أغلبية كاثوليكية. 

البعد الثاني: هو ما يمثله «البابا لاون» شخصياً. فقد تولى موقعه في مايو من العام الماضي، وهو أول أمريكي يرأس الكنيسة الكاثوليكية.. التي يتبعها في العالم حوالي مليار ونصف إنسان. أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فتتجاوز نسبة الكاثوليك 20%، وهي نسبة كبيرة وذات ثقل انتخابي. فهل تكون هذه المعركة الكلامية مؤثرة على شعبية – أو بالأحرى لا شعبية – الرئيس الأمريكي؟ 

أما البعد الثالث: فيتعلق بأن هذه المواجهة.. تطرح سؤالاً مهماً عن علاقة الدين بالدولة، ليس عندنا فقط.. كما نعتقد أحياناً، بل في مختلف دول العالم.. ومنها الولايات المتحدة الأمريكية. «البابا لاون» يبدو مقتحماً مساحة سياسية غير مألوفة من قبل، وهو ما أثار غضب الرئيس «ترامب» وأعوانه. ولكن من جهة أخرى، فإن أنصار «البابا» يستندون – في دفاعهم عنه – إلى أن واجبه هو إعلاء قيم السلام والمحبة والعدالة، وهو بذلك يؤدي دوره الديني والروحي. ويقولون أيضاً.. إنه لم يتطرق لقضايا سياسية محددة، بل عبر عن مواقف أخلاقية عامة. أما هو شخصياً.. فقد كان رده أكثر أهمية؛ إذ عبر عن اعتراضه على استناد مؤيدي الحروب وداعميها.. إلى لغة وتأصيل ومرجعيات دينية، وكأنّه يقول لهم «أنتم البادئون بإقحام الدين في السياسة، فلا تشتكوا.. إذا رد الدين عليكم بما لا تحبون». 

شخصياً، مع كل حرصي على فصل الدين عن الدولة، سعدت بكل كلمة قالها؛ لأنها عبَّرت عما يجول في أذهان من يرون العالم يحترق، بينما العقلاء صامتون.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة