سمير مرقص
(1)ما كل هذه القواعد العسكرية في الشرق الأوسط؟َ
وصلاً لحديثنا حول «التشظي الجيوسياسي» في الشرق الأوسط.. الذي طرحناه في مقال الأسبوع الماضي، فإنه لا يمكن التغافل عن أثر القواعد العسكرية المنتشرة في أرجاء الإقليم: داخله ومحيطه. ولكن قبل أن نعرض للدلالة الرمزية لتلك القواعد، والأدوار التي تلعبها، والأثر المادي المباشر لها، نشير إلى الحصر الأوَّلي الذي ترصده الدراسات – المعنية.. بما يمكن أن نصفه بالجغرافيا العسكرية الخاصة بإقليم الشرق الأوسط – لعدد القواعد العسكرية فيه، وأن هناك شبكة قواعد عسكرية داخل الشرق الأوسط.. تتجاوز الـ 75 قاعدة. كما أن هناك ما يزيد على 130 منشأة عسكرية.. تتوزع حول المحيط الجيوسياسي للشرق الوسط (تتنوع تلك القواعد والمنشآت بين دائمة ومؤقتة، ولوجستية، ونقاط انتشار، ومواضع رقابة ومتابعة). تتراوح هذه المنشآت ما بين: القواعد العسكرية البرية والبحرية والجوية، والنقاط العسكرية الاستخباراتية، ومواقع تعاون استراتيجي.. بين دول الإقليم والدول الكبرى. وهناك بعض الباحثين يضيف إلى ما سبق، ما بات يطلق عليه «القواعد غير الرسمية»؛ حيث تخلق الدول الكبرى نقاط نفوذ عسكري.. عبر وكلاء محليين «ميليشاوية«.
(2) الشرق الأوسط كمنصة عسكرية متعددة الجنسيات والمصالح
ولعل من أهم الانكشافات المادية الصلبة – التي كشفت عنها الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران – كيف أن إقليم الشرق الأوسط بات منصة تمركز عسكري عالمية متعددة الجنسيات؛ أمريكية وروسية، وأوروبية، وصينية، وإقليمية. بالطبع، تختلف الأوزان النسبية للحضور المادي لكل دولة في الإقليم.. عبر قواعدها، إلا أنه – في ذات الوقت – يؤكد تعدد المصالح الاستراتيجية المتعددة المتنافسة لتلك الدول؛ ما يجعل الإقليم في حالة «لا توازن» دائمة، إذ إن هذه الحالة هي ما يضمن تحقيق مصالح أصحاب القواعد الاقتصادية والسياسية.
إن التمدد العسكري المتزايد – عبر القواعد المنتشرة متعددة الجنسيات والمصالح – من المتوسط والخليج العربي.. وحتى البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي، لا يؤدي إلى توازن قط.. في المجال الجغرافي للشرق الأوسط، بل إلى تداخل مناطق النفوذ، ما ينتج عنه تنافسات وصراعات دائمة. لذا ليس من المستغرب أن الإقليم في حالة حرب دائمة على مدى عقود. تختلف عناوين الحرب، إلا أن جوهرها يتجاوز العناوين المعلنة.. ليس فقط لضمان التقسيم-التقاسم، الذي تأسس قبل أكثر من قرن من الزمان، بل «إكراهية إمبريالية» تقوم على «التشظي/التناهب»، (لمزيد من التفاصيل يمكن مراجعة مقدمتنا الدراسية للطبعة المزيدة والمنقحة من كتابنا الحماية والعقاب: الغرب والشرق الأوسط والمسألة الدينية).
(3) الجغرافيا العسكرية تحكم وتعيد تشكيل الجغرافيا الاقتصادية والسياسية
تاريخياً، الشرق الأوسط، هو مصطلح محض سياسي، تتحدد في ضوئه الجغرافيا.. في ضوء مصالح القوى الكبرى. ففي البداية – أي في 1916 – كان الشرق الأوسط موضوعاً للتقسيم الجيوسياسي؛ كما تجلى في اتفاقية سايكس-بيكو، حيث جرى رسم الحدود وفق اعتبارات استعمارية. غير أن المرحلة الراهنة.. تشهد تحولاً أعمق، حيث لم تعد الخرائط السياسية وحدها هي المحدد، بل أصبحت الخرائط العسكرية – وفق تموضع القواعد العسكرية المختلفة – وخطوط انتشار الدول المتصارعة عليها.. المحددة لمناطق النفوذ، ومن ثم تحديد مناطق النفوذ، وما المطلوب استخلاصه وضبطه والتحكم فيه.
بمعنى آخر، نحن أمام تحول نوعي من مرحلة «التقسيم/التقاسم» الاستعمارية التاريخية الكلاسيكية.. إلى مرحلة «التشظي/التناهب» الراهنة. ولعلنا إذا ما ابتعدنا قليلاً عن التحليلات السطحية اللاحقة للأحداث، والأيديولوجية، والعاطفية.. كذلك القراءة الدينية والثقافية لما يجري، سوف نستطيع إدراك كيف أن الجغرافيا العسكرية لا تُعنى فقط بالدفاع، بل بالضمان المستدام، ولو كان قسراً.. إن لزم الأمر، للطاقة، والثروات، وما يتطلبه ذلك من التحكم بالممرات وسلاسل الإمداد، وفرض الردع اللازم لحماية الجغرافيا الاقتصادية/السياسية.
في هذا السياق، لا تعمل القواعد العسكرية كعناصر منفصلة، بل كشبكة مترابطة تعيد توزيع القوة والسيادة داخل الإقليم.
(4) الجغرافيا العسكرية: بنية هيمنة تيسر التشظي
إن الكثافة المتزايدة للقواعد العسكرية في الشرق الأوسط.. لا تعكس فقط أهمية الإقليم، بل تكشف عن تحوُّل بنيوي في طبيعته الجيوسياسية؛ فنحن لم نعد أمام شرق أوسط مُقسم.. وفق خطوط طول وعرض جغرافية واضحة، بل أمام شرق أوسط.. قابل للتفكيك وإعادة التركيب، واستقطاع الخرائط؛ إعادة لتشكيل هياكل القوى، والحيلولة دون تمام الاستقلال الاقتصادي والسياسي، وتسهيل عقيدة التوسع للكيان الإبادي، وإعمال التفكيك الصلب والناعم… إلخ.
في هذا الإطار، باتت القواعد العسكرية لا تلعب دورها الدفاعي المفترض، الذي يبقي على استقرار الوحدات السياسية.. بل تعدته بكثير، إلى دفع الإقليم ليكون مساحة ممتدة من بقاع ساخنة/نقاط صراع ملتهبة.. مفتوحة على إعادة التشكل المستمر.. وفق المصالح الآنية.
وبعد، نخلص مما سبق.. إلى أن «التشظي الجيوسياسي» – الذي أشرنا له في مقالنا السابق – ليس حالة عابرة، بل نمط مطلوب لإدارة الإقليم، حتى وإن تحول إلى «أقاليم» متعددة. هكذا، لا يعود التشظي الجيوسياسي حالة استثنائية طارئة أو عابرة، بل نمطاً بنيوياً.. ييسر الهيمنة، ويمكن من التناهب.
نقلاً عن «الأهرام»