سمير مرقص
(1) «القراءة الثالثة لرواية أولاد حارتنا»
أعتبر نفسي قارئاً دؤوباً للأدب المصري الحديث.. بأجياله المتتابعة. وبالرغم من إعجابي بالكثيرين من الأدباء، إلا أن نجيب محفوظ.. يبقى دوماً هو الأديب، الذي كلما تقرأ إبداعاته الأدبية.. بمراحلها المختلفة؛ التاريخية والاجتماعية والسياسية والفلسفية، تشعر بمدى عمقها وثرائها، وسلاستها في نفس الوقت. ومن ثم لا تمل من إعادة قراءتها، حيث – في كل مرة – تكتشف أنك أمام عالم روائي فسيح.. يمنحك الإلهام والفهم والمتعة، حول التحولات الاجتماعية والسياسية والإنسانية المصرية. ولا شك أنني كنت سعيد الحظ لأنني قرأت مبكراً الكثير من أعماله؛ الثلاثية، ودنيا الله، وخمارة القط الأسود، والحرافيش، ورحلة ابن فطومة، وصباح الورد… إلخ، وقت أن كانت تصدر عن مكتبة مصر.. بأغلفة الفنان جمال قطب الحية والبسيطة. بيد أنه كان هناك نص مخفي – ممنوع من التداول – هو «أولاد حارتنا»، الذي نُشر في حلقات بجريدة الأهرام في سبتمبر 1959، ولم يُنشر ككتاب في مصر، ومن ثم لم تُتح لي ولأجيال قراءته. إلا أن فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل في الآداب عام 1988، دفع كثيرين إلى اكتشاف «عالم نجيب محفوظ» مجدداً.. بالنسبة للبعض، ولأول مرة.. بالنسبة للبعض الآخر.
في هذا الإطار، استطاع – كعادته – الناشر العريق.. الحاج محمد مدبولي، أن يوفر للقارئ المصري نسخاً من الطبعة اللبنانية.. التي نشرتها دار الآداب. ومنذ ذلك التاريخ، قرأت الرواية ثلاث مرات. كانت الأولى متأثرة بالملابسات التي أحاطت بنشرها. لذا كان هَمُّ القراءة الأولى.. حلَّ ألغاز الرواية. أما القراءة الثانية، فجاءت عقب تعرُّض الأديب العظيم نجيب محفوظ.. لمحاولة الاغتيال المنحطة؛ حيث قرأتها كنص أدبي.. متعدد مستويات الإبداع، لا كلغز علينا حله. وأخيراً قرأتها لثالث مرة عقب أن صدر مطلع هذا العام عن دار العين للنشر كتاب: «مملكة الله: نجيب محفوظ في أولاد حارتنا»، للأخ والصديق العزيز الأستاذ الدكتور محمد بدوي.
(2) «تاريخ البشر أو حكايات ناس/ أولاد الحارة»
يستهل «بدوي» كتابه، بتنويه للقارئ تحت عنوان «قبل أن تقرأ»، يشير فيه إلى أن المنهج.. الذي اتبعه في قراءة «أولاد حارتنا»، ينطلق من محصلة ثلاثة سياقات كما يلي: «أولاً: سياق أعمال نجيب محفوظ. وثانياً: سياق السرود المقدسة.. بتجلياتها المختلفة. وثالثاً: سياق الواقع الذي أنتج كاتباً مغامراً، أقدم – مأخوذاً بسحر الكتابة – على تخيل تاريخ البشر».
إذن، نحن أمام قراءة مُركبة للنص الأدبي، تتجاوز لعبة فك الشفرات؛ إلى كشف الالتباسات، وقراءة إجماليات، وتحليل الأفكار، وتعقب الأزمنة، وتأصيل لفلسفة كاتب ونص.. متعدد مستويات الإبداع. عندما يتحدث «محمد بدوي» عن «تاريخ البشر» فإنه – في حقيقة الأمر – يتحدث عن نص/مرآة.. لمساحات إبداعية متنوعة؛ من أدب وسياسة واجتماع/عمران ودين، وكذلك تفاعلات إنسانية ومجتمعية متعددة.. لرحلة «ناس الحارة»، وحكاياتهم – حسب نجيب محفوظ في افتتاحية الرواية – على مدى زمني ممتد. حكايات تتضمن اختياراتهم وتحيزاتهم، ومواقفهم، وأفكارهم، وبداياتهم ومآلاتهم، واحتجاجاتهم، وإذعاناتهم، ومساراتهم ومصائرهم… إلخ.
الحكايات ليست سرداً أجوف، بل هي سرد يجتهد في الإجابة عن سؤالين؛ لماذا الجوع؟ وكيف يضام ناس الحارة؟ وهما سؤالان يفرضان – بالضرورة – سؤالين آخرين.. متى يتحرر ناس الحارة؟ وكيف يتحقق العدل؟
في هذا الإطار، يلوذ «نجيب محفوظ»، بـ «التقنع» (من قناع أو بالكنائية بالرمز، وحكايات العامة وأسمارهم، والتلميحات، والإيحاءات، والمرويات الشعبية.. للتحايل على البنى السلطوية المختلفة، لقول كلمته التي يجب أن تقال) سعياً – حسب «بدوي» – إلى «… إنتاج متصل من الأحداث والشخصيات، يمكن عده تاريخاً متخيلاً، تخيل مدينة وفضاءً، وحاكي مرويات.. يتداخل فيها الأسطوري والواقعي، خالقاً مدينته (حارته) الخاصة، التي رأى أنها تصلح – في لحظة الكتابة – لطرح أسئلته عن الوجود البشري على نفسه، وعلى الآخرين من شركائه في القيم القومية والإنسانية، وعموم شركائه من المسرود لهم والمسرود عنهم، في تخيل المعنى، حبكة كبرى عن معنى الحياة، والأمل في عالم أكثر عدلاً وحرية».
(3) «ناس الحارة في مواجهة نظار الوقف والتجار والفتوات»
في هذا السياق، يتيح المنهج – الذي مهَّد به «محمد بدوي» – لقراءة «أولاد حارتنا»، تجاوز التفسيرات الدينية، ضيقة النظر للنص.. الذي صنفته كنص يؤرخ لتاريخ الأديان، إلى كونه نصاً يروى تاريخ البشر في الحارة؛ المواطنية المصرية/الإنسانية العالمية؛ ونضالاتهم مع «نظار الوقف، والتجار، والفتوات»؛ هذا هو واقع الرواية.. في حقيقتها. إنها رواية عن الصراع الإنساني-المواطني.. مع ثالوث أصحاب النفوذ والمال والقوة، وما يترتب عليه الواقع من تحولات.. من جراء هذا الصراع. وفي الخلفية، الكيفية التي يتم بها توظيف القيم الدينية والأخلاقية والمعرفية في هذا الصراع.. وفق موازين القوة المجتمعية.
لذا، يقول «محمد بدوي»: «لا يُفلت المحور الواقعي أحداً في الرواية.. من سلطته؛ لا شخصيات الأبطال، ولا الشخصيات المناوئة لهم.. من أضدادهم، ولا الشخصيات الثانوية؛ فكلهم خاضع لسلطة المحور الواقعي في معيشه، وتلفظه. والأبطال والسوقة.. جميعهم يتحركون، يأكلون ويشربون، يعملون ويثرثرون، ويتنابزون وفقاً لسلطته».
وبعد، فإن «مملكة الله».. للدكتور محمد بدوي، يُعد دليلاً منهجياً لقراءة عميقة وثرية لرواية «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ؛ حيث تتشابك وتشتبك التجربة الإنسانية/المواطنية.. مع سياقات اجتماعية مختلفة، وموازين قوة متعددة.
إنها تجربة.. باحثة عن العدل والحرية والخلاص. تحية للعزيز الدكتور «محمد بدوي»، والناشرة الجريئة والمثقفة الدكتورة فاطمة البودي. وفي انتظار الجزء الثاني من «مملكة الله».
نقلاً عن «المصري اليوم»