أحمد الجمال
أزيد القارئ الكريم من الشعر أبياتاً.. في عظمة المحروسة، التي أنجبت من حشاها الحضاري أفذاذاً بغير حصر، وتبنت واحتضنت ومصَّرت أفذاذاً آخرين، وكانت على الدوام – ومنذ فجر تاريخها – مهداً ومُعبِّراً عن ضمير الإنسانية وقيمه النبيلة العليا.
والنموذجان اللذان أكتب عنهما اليوم، يجسدان الإنجاب والتبني، ويلقيان ضوءاً على أمرين؛ أولهما: هو جناية الحركة الصهيونية على اليهود. وثانيهما: هو خطيئة من يعمدون إلى تمزيق النسيج الوطني المصري، ولا يفزعون من أنين التمزق.. عندما يصرون على عزل مسيحيي مصر عن مسلميها، (والعكس صحيح.. أي عزل مسلميها عن مسيحييها).. عزلاً ثقافياً ووجدانياً وتاريخياً ووطنياً، بدعاوى كلها باطلة، ولا تصمد أمام أي نقاش علمي.
أكتب عن حاييم ناحوم أفندي – الذي عاش من 1873 إلى 1960 – وُلد في قرية بالقرب من أزمير بتركيا، ودرَس فيها، ثم انتقل وهو في سن الثامنة عشرة إلى إسطنبول.. لدراسة الفقه الإسلامي بكلية الحقوق، ثم غادرها إلى باريس.. فتخصص في دراسة الأديان وبحوث اللغة، واللغات الشرقية الحية بالسوربون، وعاد وشغل مناصب عديدة في التعليم، وقام برحلات علمية واسعة لبلاد الحبشة، ثم رجع إلى إسطنبول واختير حاخاماً للطائفة الموسوية.. في بلاد الدولة العثمانية، وعكف على البحث والتأليف، ومن مؤلفاته كتاب عن تاريخ الإسكندرية في عصر الفاطميين والأيوبيين. المهم – بل الأهم – أنه عُين حبراً لليهود في مصر، وتجنس بالجنسية المصرية سنة 1929. وفي سنة 1933، كان من الرعيل الأول.. الذي أُسس به مجمع اللغة العربية.
وقد أجاد حاييم ناحوم اللغات الفرنسية والإسبانية والتركية والحبشية، ولغات أخرى أوروبية وشرقية، وصارت العربية لغته الرئيسة. وأدى هذا التنوع.. لثراء بحوثه في أصول الكلمات، وشارك في لجان المجمع؛ وفي مقدمتها لجنة لبحث المصطلحات العسكرية، ولجنة اللهجات ونشر النصوص القديمة، ولجنة العلوم الاجتماعية والفلسفية، ولجنة الأصول. وله بحث مهم.. عن كلمتي «المن والسلوى». وقال عنه الأستاذ العقاد يوم تأبينه: «إن الزميل الراحل.. قد صحب المجمع بهذا العلم، وبهذا الخُلق، منذ بدأ المجمع حياته، وكان قدوة في أدب الزمالة وحق العلم».
والسؤال التقريري هو: أرأيتـم مدى ما جنته الحركة الصهيونية على اليهود؛ بنزعهم من أوطانهم، وحرمانهم من إنسانيتهم.. المتجلية في القيم المعرفية والعلمية والاقتصادية، التي تميزوا بها في تلك الأوطان، ثم حشرهم في الجيتو الإسرائيلي الصهيوني العنصري الإجرامي، وحفز كل كوامن العدوان والإجرام في النفس البشرية؛ لنرى ونسمع ونتابع كل ما جرى في غزة وفلسطين المحتلة؟!
وأنتقل إلى أحد أبناء مصر الأفذاذ.. هو الأستاذ الدكتور رمسيس جرجس، الذي وُلد لأسرة مصرية صميمة عام 1895، وهي أسرة عاشت وكأنها نذرت حياتها للبحث والدرس، خاصة الدراسات اللغوية، وكان جده لوالده.. أديباً مولعاً بجمع المخطوطات والكتب، ويختار المخطوطات النادرة، لينسخها بقلمه ويودعها خزانة مكتبه؛ لتكون زاداً معرفياً لذريته، وكذلك كان جده لوالدته.. عالماً في التاريخ واللغة والقانون، له مؤلفات كثيرة، وكان والده عالماً باحثاً.. تفرَّغ في جزء من عمره لتأليف معجم في اللغة القبطية، وما يقابل كلماتها في العربية، وكانت والدته تجيد اللغة العربية وتعشق فصاحتها، وهي التي حببتها لابنها الدكتور رمسيس.
تلك كانت بيئته، وتنقل في نشأته بين الإسكندرية وطنطا والقاهرة، وبعدما أتم دراسته الثانوية دخل مدرسة الطب «كلية الطب» وتخرج فيها مع ثورة 1919، ولم يلتحق بأي عمل حكومي، بل نذر حياته للطب ولدراسة اللغة.. ولذلك استطاع أن يسجل اسم مصر بين الأمم المتقدمة؛ إذ ألَّف كتابين مرجعيين عالميين.. عن البلهارسيا وعن الزحار الأميبي، نُشرا في إنجلترا وسويسرا ومصر. وألَّف معجماً للعلوم الطبية.. يشتمل على نحو ستين ألف مصطلح إنجليزي ومقابلها العربي، ومعجماً ثانياً في المصطلحات الطبية والعلمية.. التي جاءت في كتاب «القانون» لابن سينا، وأمام كل مصطلح مقابله اللاتيني والفرنسي والإنجليزي. وكشف عن أصول تلك المصطلحات في اللغات الفارسية واليونانية والسريانية، ثم له معجم ثالث في اشتقاق اللغة العربية، درس فيه علاقات الكلمات العربية.. باللغات البابلية والآشورية والآرامية والعبرية والسريانية والحبشية، وما دخل في هذه الكلمات.. من اللغات المصرية القديمة واليونانية واللاتينية والفارسية، وبلغت مواد هذا المعجم نحو عشرين ألف مادة.
إضافة لذلك، لم يهمل الدكتور رمسيس اللهجة العامية المصرية، فجمع من أفعالها ومشتقاتها.. وما فيها من مصطلحات وأسماء؛ ألوفاً من الكلمات.. مع بيان اختلافها في لهجات أرجاء مصر. ليس ذلك فقط، وإنما أضاف الدكتور رمسيس خمسة معاجم في علم النفس والتشريح والمصطلحات الفنية وقاموس الحيوان وقاموس النبات، وبقي محباً للغة العربية الفصحى، وحرص على أن يضع لكل مصطلح مقابلاً فصيحاً له، مهما كان غريباً.. وانضم لمجمع اللغة العربية سنة 1956، وشارك في لجانه العلمية، ولجنة ألفاظ الحضارة. ومن أهم بحوثه.. بحث عن «التمييم والتنوين»، وبحث عن «النحت في اللغة العربية»، وبحث عن اللغة المصرية القديمة، وعلاقتها باللغات السامية.
فماذا أقول وأكتب.. بعد ذلك، إلا أن أزفر زفرة حارة مؤسية.. وأردد الدعاء للمحروسة، أن تستعيد وتضيف.
نقلاً عن «الأهرام»