تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

مسوخ الداخل والخارج

M.Adam
وجيه وهبة 

وجيه وهبة

مشهد بائس.. متكرر على مواقع التواصل الاجتماعي؛ شاب مصري عشريني العمر تقريباً، اعتاد التردد على السفارة المصرية في «هولندا».. للقيام بوقفات احتجاجية، ضد النظام المصري، وليس لدى السلطات الهولندية مانع، طالما أن تلك الوقفات لا تتعارض مع قوانين البلاد، كما أن المدعو لا يعتدي على السفارة ذاتها، ولا يقتحم مبناها. 

ولكن من يشاهد «فيديوهات»، وقفة هذا الغِر الاحتجاجية، يلاحظ أن الأمر تجاوز التعبير عن رأي، إلى ممارسات سلوكية منحطة.. تعج بالسباب، والتعدي اللفظي.. على موظفي السفارة وأفراد أمنها.

الغريب، أنك تشاهد موظفي السفارة.. يبدون وكأنهم يتبعون تعليمات مشددة، لا حول ولا قوة لهم؛ صامتين صامدين، مكتوفي الأيدي، معقودي اللسان، بلا أي رد فعل.. إزاء تجاوزات ذلك الغر السخيف؛ ربما خشية الوقوع في محظور مخالفة قوانين «هولندا». ولكننا نتساءل، إلى متى؟ لا بد أن هناك وسيلة قانونية ما.. لحماية موظفي السفارة من الإهانة، والاعتداء على كرامتهم بأحط أنواع السباب. 

فإن كرامة فرد أمن السفارة من كرامة بلده.. «مصر»، وإن لم يكن في السب والقذف والإهانة.. مخالفة قانونية في الشرع الهولندي، فليكن الجزاء من جنس العمل، ولنسمح لأفراد أمن السفارة بالرد على المتطاول والاعتداء عليه لفظياً.. بمثل ما اعتدى عليهم، وليتساوَ الجميع أمام القانون الهولندي. 

نحن لا نمانع أبداً من وجود وقفات احتجاجية – في الداخل والخارج – ضد السياسات المصرية، ولكن مع التزام الأدب، بلا تجريح شخصي وتدنٍّ أخلاقي.

المشهد السياسي الراهن.. يفتقر إلى المعارضة إلى حد خطير، ونقصد بالمعارضة في هذا السياق، المعارضة السياسية، لا معارضة الإسلام السلطوي – إخوانياً كان أم سلفياً – أو المعارضة المتحالفة معه خلف قناع مدني، من أمثال هؤلاء المشبوهين؛ مسوخ «هولندا»، أصحاب عروض فتارين وشبابيك العهر السياسي، الذين عقدوا بلاهاي الشهر الماضي مؤتمراً، وكانوا عبارة عن حفنة من الأرزقية وأذناب الإخوان الإعلامية، لطالما كفلتهم «دوحة» الإرهاب، تلك «الدولة/القناة التليفزيونية»، التي دأبت على احتضان وتمويل عقارب الإخوان؛ ليس حباً فيهم، ولكن كيداً لمصر، على مدار أكثر من ثلاثة عقود.

إن إفساح المجال لمعارضة مصرية وطنية في الداخل، يقطع الطريق على الهاربين في الخارج، من الإخوان وغير الإخوان. والأمان – كل الأمان – يكمن في حياة حزبية طبيعية، تتنفس بلا معوقات. وليعارض.. من يعارض، طالما لا يحمل السلاح، ولا يحرض على حمله، لا تنخدعوا بصمت القبور.

أصداء «الترند» 

في مقطع «فيديو»، ظهر صاحبنا.. مدرس التاريخ الشاب الملتحي، وهو يحاضر مجموعة من الطالبات المحجبات – في فصل دراسي في أحد المراكز الخاصة بمدينة «الإسكندرية» – وفي أداء تمثيلي، يقول هذا المعلم: «حسبي الله ونعم الوكيل فيهم، أقسم بالله.. صفية زغلول وهدى شعراوي حسبي الله ونعم الوكيل فيهم… دول اللي هما الفيمينست بتوع جيلهم.. يعني شفتوا رضوى الشربيني، دول الليفل الأوحش (وحرص على نطقها بالإنجليزية، لغة الكفار).. هما دول اللي حرضوا الست على الخروج.. كانت قاعدة في بيتها… الستات ما كانتش تخرج عندنا.. عادتنا وتقاليدنا مافيش خروج.. الست كان لها خارجتين؛ خارجة من بيت أبوها لبيت جوزها، وخارجة من بيت جوزها على الترب (المقابر).. يا هي بتوصله، يا هو بيوصلها. اللي يموت الأول، التاني بيطلع وراه». 

وواصل المدرس السخرية من «صفية زغلول» و«هدى شعراوي»، وخلعهما للبيشة (النقاب): «بيقولوا للمرأة انتي زيك زي الراجل.. تطلع وتتظاهر». ثم بأداء صوتي حرکي رخيص يقول: «منهم لله صفية زغلول وهدى شعراوي.. خرجوا يا خويا بالستات في ميدان التحرير… قلعت البيشة». 

ثم يقول برقاعة: «سعد سعد تحيا سعد». «كانت الستات عندنا لابسين بيش.. البيشة دي زي النقاب من باب الاحتشام، إيه العلاقة بين الحرية والقلع. ما فيش علاقة بين الحرية والقلع، ما تكوني يا ست الكل لابسة البيشة بتاعتك، وحرة في رأيك»، وواصل متهكماً.. متلاعباً بلفظة «قلع»، بإيحاءاتها. قائلاً: «منها لله صفية زغلول، ومن يومها.. من يوم الست ما خرجت، لا عارفين ندخلها، ومن يوم ما قلعت لا عارفين نلبسها». واستمر ثقيل الظل.. في فاصل من الأداء الحركي السخيف عن «القلع».

من المؤسف والمؤلم والمحبط، أن نلاحظ أن الطالبات في هذا الفيديو، تنصتن لكل هذا الهراء، وهن قانعات ذليلات، صامتات، بل ومسرورات. استمعن إلى تبجح وقح وإهانة.. لجنس المرأة عامة، ولرمزين من أهم رموز المرأة المصرية، وخرسن، بل وشاركن بالصمت والضحك، في ذلك التبجح الوقح على المرأة وعلى التاريخ، وما أتعس رد فعلهن هذا، وما أشبهه بموقف الإماء أمام السيد، لا التلاميذ أمام المعلم.. إماء تستعذبن العبودية للرجال.

والسؤال الآن.. إلى هذا المدرس الجهبذ؛ إذا كنت معترضاً على خروج المرأة من بيتها، إلا إلى بيت زوجها أو إلى القبر، فلماذا تقبل وجودها أمامك في الفصل الدراسي الخاص؟ أم أن خروجهن حرام، وفلوسهن حلال؟.. ما هذا التناقض الفاضح؟ اللهم إلا إذا اعتبرنا خروجهن لفصلك الدراسي هذا – أنت وأمثالك – خروجاً إلى القبر، وهو حقاً كذلك؛ قبر مظلم.. تسعى فيه حشرات التطرف والعنف، وما أمثالك إلا حفارو قبور للمرأة، ولكل معاني الحرية.

المؤسف أيضاً، أن المتابع لتعليقات المشاهدين على ذلك الفيديو «الترند»، على مختلف المواقع ـ ومن بينها موقع بي بي سي العربي ـ سوف يلاحظ.. بالإحصاء الرقمي، تأييداً كاسحاً لهذا المدرس، يقترب من الإجماع، ونظرة استعلاء ذكورية فجة.. ضد المرأة، عينة عشوائية لرأي الجمهور، تبين عن مزاج عام، يمضي نحو المزيد والمزيد.. من التسلف المتطرف.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة