محمد أبوالغار
سافرت في عطلة نهاية الأسبوع – مع هنا ابنتي وأصدقائها – إلى الساحل الشمالي، والطريق الذي كان مزدحماً في أغسطس، أصبح هادئاً تماماً. وعند وصولي مدينة العلمين، كانت مدينة أشباح.. فلا سيارات ولا ناس، وإنما أعداد مهولة من المباني على الجانبين، بدون ساكن واحد. جميع المحلات مغلقة، والأنوار مطفأة. في القرية التي ذهبنا إليها، لم نجد سيارة واحدة. وعلى الشاطئ، لم يكن هناك أحد غيرنا. سألت الحارس، فقال: في يوم 1 سبتمبر، كانت عدد المصيفين لا يزيد عن 10٪، ويوم 15 سبتمبر لم يبق أحد، وكل المحال مغلقة.
الهدوء كان رائعاً؛ فلا حفلات، ولا موسيقى.. حتى الصباح. ولكني صحوت فجراً، أفكر في الساحل الشمالي.. كمشروع ضخم، في دولة من العالم الثالث. انتهت استثمارات الدولة ببناء مارينا، وما بعد ذلك – باستثناء مدينة العلمين – كان من القطاع الخاص، وقدرت قيمة الثروة العقارية المتراكمة في الساحل الشمالي.. بحوالي 5 ترليونات جنيه، وهو ما يعادل 100 مليار دولار. بعيداً عن الاستثمارات الخليجية، الإنفاق خلق أصولاً وبنية أساسية وتشغيلاً ووظائف كثيرة، رغم أن معظمها مؤقتة، وهناك ضرائب تدر دخلاً للدولة.
هل الساحل الشمالي حالة خاصة، يعمل لمدة أقصاها شهران في العام؟ وهل هناك حالات مشابهة؟
شواطئ أوروبا كلها.. بجوار مدن أو قرى، وبالتالى الحياة هناك دائمة، ولكن في جنوب البحر المتوسط.. في بودروم في تركيا، تعمل المنطقة لمدة 6 شهور في العام، وبكثافة شديدة 4 شهور. وفي اليونان هناك إشغال متميز في الجزر 4 أشهر، وشهران آخران إشغال أقل. ولكن الساحل الشمالي يبقى حالة فريدة من نوعه في العالم؛ لأنه يعمل شهرين فقط، وربما 6 أسابيع فقط. بالإضافة إلى أنه في الجزر اليونانية والشواطئ التركية.. نسبة الغرف الفندقية ضعف الوحدات الخاصة، وهذا يعطي فرصة لإشغال أكبر بعيداً عن فترة الذروة. في الساحل الشمالي، الوحدات الفندقية محدودة، ويقدر عدد الوحدات السكنية في الساحل الشمالي بـ 245 ألف وحدة، وجميع هذه الوحدات مغلق بالكامل.. 10 شهور كل عام.
مدينة العلمين تستحق الاهتمام، الفكرة هي إيجاد تجمع عمراني جديد.. على شاطئ البحر، يعيش طوال العام. وأعلن وزير الإسكان.. أن ما تم ضخه حتى الآن هو مبلغ 350 مليار جنيه، وتم إنشاء 46189 وحدة سكنية، ولا يوجد رقم واضح عن عدد السكان.
نُشرت دراسة حديثة للمركز المصري للدراسات الاقتصادية – في «المصري اليوم» – بعنوان «لماذا نقوم ببناء مدن جديدة»؟ أوضحت أن مصر أنشأت 49 مدينة جديدة.. خلال 50 عاماً، ونسبة الإشغال في معظمها ضعيفة، وذكرت أن نسبة الإشغال في العلمين الجديدة 1٪ فقط. هناك استثمارات خليجية ضخمة في الساحل الشمالي.. في رأس الحكمة وغيرها، ولا أحد يعرف بدقة.. ما هو حجم استفادة الاقتصاد المصري مستقبلاً منها.
هناك نقطة أخرى، وهي أن القرى في الساحل الشمالي.. أصبحت متلاصقة؛ وكل منها له شاطئه، والدخول أصبح لأصحاب الوحدات.. وعدد محدود من زوارهم. ولم يعد هناك شاطئ عام مجاني في أي مكان. وبالمقارنة مع تونس والمغرب والجزائر، فإن معظم الشاطئ هناك مجاني.. للشعب كله، وهناك مناطق متروكة لمن يريدون نصب الخيام لرحلات الشباب. الطريقة التي تم بها بناء القرى، لم تعط فرصة لترك مناطق للناس.. يتمتعون بالبحر.. بعيداً عن القرى. والارتفاع الرهيب في سعر الأراضي، جعل من الصعوبة بمكان.. أن تتخلى الحكومة عن مساحة معقولة – أمام البحر مباشرة – للشعب، وللشباب لينصبوا خيامهم.
هناك نقطة مهمة.. خاصة بتوجهات مصر الاقتصادية، وفكرة بناء المدن الضخمة.. ببنية تحتية، وبدون سكان.. على أمل أن ينتقل الناس لهذه المدن، ويعمروها.. لتصبح فيها حياة. الشعب المصري فيه طبقات، وفيه درجات مختلفة من التعليم. وحتى لا تصبح هذه المدن الجديدة.. مثل القرى السياحية؛ محدودة بأعداد قليلة من طبقة معينة، فإن المدن الجديدة يجب أن تتسع لكل فئات المجتمع. وهو ما لم يحدث في العلمين، أو العاصمة الإدارية؛ فأقل شقة ثمنها ملايين، والساحل الشمالي به ما يقرب من ربع مليون وحدة سكنية، ومتوسط سكان الوحدة 4 أفراد. فمن يعيش في هذه القرى؟
… مليون نسمة، ومعظم زوارها من القرى الأخرى. هذا يعني، أن أقل من 1٪ من سكان مصر.. يصيّفون في الساحل الشمالي، ويخدمهم حوالي ربع مليون مواطن. علينا أن نتصور ونتخيل.. كيف لا تصبح المدن الجديدة مهجورة، ويعيش فيها عدد ضئيل من السكان.. لا يمثل مصر بكافة أطيافها. بالتأكيد، هناك تصور، وتخيل عام.. تم التخطيط له، بطريقة علمية، مبنية على دراسات دقيقة. ولكن لا نعرف تفاصيله.
هناك سؤال افتراضي: ماذا لو كنا قد أنفقنا المائة مليار دولار – التي أنفقت على الساحل الشمالي – في مشروعات صناعية؟
مثال عملي؛ المرحلة الأولى للبنية الأساسية لمنطقة غرب القناة، تكلفت 4 مليارات جنيه، وباقي 10 مليارات جنيه، لاستكمال البنية التحتية، وبها 40 مشروعاً صناعياً قيد التنفيذ، واستثمارات أجنبية تبلغ مليار دولار، وتوفر 50 ألف فرصة عمل، وتستهدف المنطقة – عند استكمالها – صادرات بمبلغ 25 مليار دولار.
تخيلوا، لو تم استثمار أموال الساحل الشمالي – أو حتى نصف الاستثمارات – في مشروعات مشابهة! كانت كفيلة بإنشاء 30 مشروعاً مشابهاً، وحيث إن معظم الأموال التي أنفقت كانت من القطاع الخاص، عموم المصريين ليس أمامهم استثمار.. غير شراء شهادات بنكية أو شراء عقارات، وكلاهما لا يفيد الاقتصاد المصري بالشكل الأمثل.
ماذا لو استثمرت الحكومة أموال العلمين، مع تأجيل نصف العاصمة الإدارية.. في المشروعات الصناعية؟
بالتأكيد، كان سيكون أكثر فائدة للاقتصاد المصري.
أثار أشجاني.. الفراغ الهائل الذي رأيته، واقتنعت أننا جميعاً.. نفكر بطريقة خاطئة.. حكومة وشعباً. وأنا أحد أفراد الشعب.. الذي يعترف بهذا الخطأ.
ولكن عذر الناس، أنه لا يوجد أمامهم فرص استثمار حقيقية.. غير العقار، الذي أصبح ثمنه مرتفعاً جداً، والحكومة خطؤها أكبر، لأن عليها القيادة، والتفكير في مصلحة الوطن، ومستقبله.. بطريقة علمية.
(قوم يا مصري مصر دايماً بتناديك)
نقلاً عن «المصري اليوم»