محمد أبوالغار
وُلد محمود الشاذلي في عام 1935 في دلتا مصر، وانتقل إلى الإسكندرية. تخرَّج في كلية الهندسة جامعة الإسكندرية عام 1958. في شبابه.. انضم لمنظمة الشباب الناصرية، وبالرغم من أنه قام بتغيير كثير من أفكاره عن الناصرية، إلا أنه كان دائماً.. يحتفظ بتقدير لجمال عبد الناصر.
التحق محمود الشاذلي فور تخرجه.. بمشروع السد العالي، وعمل في أسوان خلال سنوات بناء السد. وبعد انتهائه، حصل على منحة في ألمانيا.. وعاش فترة قصيرة نسبياً هناك، وتزوج من السيدة مارليز.. التي عادت معه إلى مصر، ليعمل في مجمع المصانع للغزل والنسيج في المحلة الكبرى. وبعد سنوات.. قرر الهجرة إلى أمريكا، وأنجب أسامة وسلوى. السيدة مارليز تتميز بنشاط كبير. أنشأت حضانة للأطفال في مدينة ستانفورد – في ولاية كونيتيكت القريبة من نيويورك – ولهما حفيدتان، واحدة لكل من ابنيهما. التحق للعمل في الصناعة كمهندس عنده خبرة، وبعدها قام بإنشاء شركته الخاصة.
منذ أن ترك محمود مصر، كانت مصر دائماً في قلبه وعقله، وطوال فترة حياته في أمريكا.. كان مهتماً بمساعدة مصر والمصريين؛ بالفعل والحركة والمال، وأصبح أحد الوجوه البارزة من المصريين الأمريكيين. وهو صاحب فكرة إنشاء «تحالف المصريين الأمريكيين» عام 2005؛ والذي بدأ بمجموعة صغيرة من المهاجرين المصريين.. الحاصلين على الجنسية الأمريكية. وكان هدفه هو تمكين المصريين الأمريكيين سياسياً.. داخل المجتمع الأمريكي، وبناء قنوات اتصال مع صناع القرار الأمريكيين، ودعم الإصلاح والتنمية في مصر.. من خلال الحوار والمشاركة المدنية.
وقد تولى المهندس محمود رئاسة تحالف المصريين الأمريكيين لعدد من السنوات. ومنذ عام 2005، كان محمود الشاذلي واحداً من أبرز الأصوات.. الداعية إلى توسيع المشاركة السياسية للمصريين في الخارج، وإعطائهم حق التصويت في الانتخابات المصرية، ودعم الإصلاح السياسي السلمي في مصر. وقابل عدداً من السياسيين وأساتذة الجامعات.. الذين زاروا الولايات المتحدة، واجتمع مع د. محمد البرادعي قبل ثورة 25 يناير بفترة.
بعد ثورة 25 يناير، أعلن التحالف أنه يعيد تقييم أهدافه وسياساته.. بما يتناسب مع المرحلة الجديدة بعد سقوط نظام مبارك. ورغم إقامته لعقود طويلة في أمريكا، إلا أنه حرص على القيام بزيارات متعددة لمصر، وتواصل مع الاقتصاديين والسياسيين والمثقفين من مختلف الاتجاهات. ودعا إلى الاستفادة من خبرات المصريين بالخارج.. في دعم الاقتصاد المصري، وقام بتنظيم مؤتمر اقتصادي – عام 2016 – بعنوان «إعادة التوازن للاقتصاد المصري داخلياً وخارجياً»، وعُقد المؤتمر في جامعة القاهرة.. بالشراكة بين تحالف المصريين في أمريكا الشمالية وكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة وبنك مصر، وفكرة محمود الشاذلي.. أن ننصرف لتغيير المسار، والعودة إلى مبادئ التنمية الوطنية.. التي جسدها طلعت حرب.
وشارك في المؤتمر د. هالة السعيد عميد كلية الاقتصاد (في ذلك الوقت)، ود. جلال أمين، ود. جودة عبد الخالق، ود. زياد بهاء الدين، ومحمد الإتربي.. رئيس بنك مصر، وقام محمود الشاذلي بدعوة د. إريك ديفز – الأستاذ بجامعة روتجرز الأمريكية – لإلقاء المحاضرة الرئيسية؛ لأنه قام بتأليف كتاب ضخم بالانجليزية.. بعنوان «طلعت حرب، بنك مصر والتصنيع المصري 1920 – 1941». وأراد محمود أن يربط تجربة ناجحة في الماضي.. بالوضع المتعثر الآن.
كان هدف المؤتمر، كيفية إعادة الاعتبار للتصنيع المصري والزراعة المصرية، وأهمية دور البنوك الوطنية في التنمية، وتقليل الاعتماد على القروض الخارجية، وإعادة التوازن بين دور الدولة ودور القطاع الخاص في الاقتصاد، والاستفادة من تجربة طلعت حرب.. في بناء مؤسسات اقتصادية مصرية قوية. هذا المؤتمر عُقد منذ عشر سنوات، ولو كانت الدولة حاولت الأخذ بمعطياته.. لكان الوضع الاقتصادي ربما تغير للأحسن.
وقد نُشر حوار مع محمود عام 2009 – في «المصري اليوم» – تناول تاريخ حياته وهجرته، وأهمية أن يكون للمصريين تأثير سياسي داخل أمريكا، وتحدث عن موقفه من الكونجرس، ورؤيته لجمال مبارك.
قام محمود بمبادرات شخصية.. بالتبرع لجمعيات خيرية في مصر، وأنا أعرف عدداً من هذه الجمعيات؛ منها جمعية بناتي لأطفال الشوارع. وقام محمود الشاذلي – بناء على طلب من د. عبد الجليل مصطفى – بالتبرع بمئات الآلاف.. لتطوير أجهزة مركز بحوث الأوعية الدموية في قصر العيني. وقام محمود الشاذلي بالمساهمة في دعم جائزة الشعب.. للأديب الراحل صنع الله إبراهيم، وقام بالاشتراك مع فكري أندراوس.. بدعم جائزة الراحل يحيى حقي الأدبية بالكامل، وحضر – مع زوجته السيدة مارليز – حفل تسليم الجوائز. وقام بدعم القوائم المدنية المرشحة للانتخابات في انتخابات 2013.
كان للشاذلي شبكة علاقات واسعة.. مع المثقفين والأدباء المصريين، وكان داعماً لكل الأنشطة الثقافية والفنية. قامت جامعة نيويورك – بترتيب من الدكتور طارق سعداوي الأستاذ بالجامعة – بتنظيم يوم كامل عن ثورة 1919، بمناسبة مرور مائة عام على الثورة، وكان الحدث يحتاج لدعم مالي، فساهم محمود في دعم هذا الحدث.. الذي استمر يوماً كاملاً، وحضره أساتذة تاريخ كبار من أمريكا وأوروبا، وشرفتني الجامعة بدعوتي لإلقاء المحاضرة الرئيسية في هذا اليوم.
كان محمود الشاذلي قارئاً نهماً، ومطلعاً على دقائق الحياة السياسية الأمريكية، ومتابعاً لكل المقالات والأحداث المهمة. وفي نفس الوقت، كان يقرأ بصفة يومية الأخبار المصرية،. وأثناء الأحداث الكبرى، كان يتحدث تليفونياً بأصدقائه.. للاطمئنان على مصر وأهلها. كان متابعاً للصراع العربي-الإسرائيلي، وكان متفهماً لمأساة الشعب الفلسطيني، وكان مهتماً بوضع اللوبي الصهيوني في أمريكا وقوته.
على الجانب الشخصي، توثقت معرفتي بمحمود الشاذلي وزوجته مارليز.. منذ أكثر من ربع قرن، وتقابلنا في أمريكا ومصر عشرات المرات.. عبر هذه السنوات، وتوثقت العلاقة مع مجموعة صغيرة من المصريين الأمريكيين؛ د. مصطفى الخشاب ود. طارق السعداوي والراحل د. فؤاد ستار والمهندس سامح إسكندر ود. فكري أندراوس. قمنا بالعديد من الرحلات إلى الأقصر وأسوان، ورحلة بالطائرة إلى سيوة، ورحلة على دهبية في الصعيد. وكان معنا مجموعة من الأصدقاء.. منهم ملك رشدي ومديحة دوس، وزرنا سامح إسكندر.. في حفائره الأثرية في أبيدوس بسوهاج.
ذكريات كثيرة وعظيمة، مع إنسان ذي قلب كبير، وروح وثابة جميلة، فلروحه السلام، وكل الحب لمارليز زوجته، وسلوى وأسامة.. وأحفادهما، ومساعده المخلص عصام أبو سليمان.
قوم يا مصري مصر دائماً بتناديك
نقلاً عن «المصري اليوم»