تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

التعليم والجامعات وآخرة «الفلوس»

M.Adam
وجيه وهبة 

  وجيه وهبة   

لا يختلف اثنان.. على أن هناك تسارعاً فى تدهور كفاءة نظام التعليم، والعملية التعليمية.. فى كافة المراحل الدراسية فى العقود الأخيرة، لأسباب.. معلوم معظمها للقاصى والدانى. ولعل أوضح هذه الأسباب.. الميزانيات الضئيلة المخصصة للتعليم، التى تعجز عن مواجهة نقص أعداد الأبنية التعليمية، والكثافة العالية للفصول، بالإضافة إلى العجز فى أعداد المعلمين الأكفاء. وبالطبع، ينعكس ذلك على نتاج هذا التعليم.. تعليم «العجز».. على مرحلة التعليم الجامعى؛ بما يمده من طلاب، يصبحون فيما بعد أساتذة. وهكذا تتوالى عملية «التعليم».. فى هذه الحلقة الجهنمية.

رأى البعض أن جزءاً كبيراً من حل مشاكل وأزمات التعليم، يكمن فى توسيع هامش مساهمة القطاع الخاص فى التعليم. ولا ضرر ولا ضرار. ولكن يبدو أن هذا التوسع.. قد تحول – بمرور الأيام – إلى انفلات، وسيل من الجامعات.. بلا ضوابط أكاديمية كافية. تحول رأت فيه فئة جديدة – ولا نعمم ـ فرصة تجارية لتعظيم مكاسبها من «الفلوس».. شعار المرحلة، بغض النظر عن جودة وسلامة العملية التعليمية. استغل هؤلاء «تعطش» سوق التعليم إلى جامعات، فأسسوا جامعات تفتقر إلى أدنى المعايير الأكاديمية والاشتراطات اللازمة.. لإنشاء الجامعات الخاصة، على النحو الذي يجري فى دول العالم المتقدمة تعليمياً، مثلما هو الحال، فى إنجلترا وفرنسا، على سبيل المثال.

بالأمس، أصدر الدكتور مدبولى – رئيس الوزراء – توجيهات وقرارات.. تلزم الجامعات الخاصة التى تضم كليات للطب، بسرعة إنشاء وتجهيز المستشفيات التعليمية والتدريبية.. الخاصة بها، وفق جداول زمنية محددة وملزمة. 

ويبقى السؤال: كيف؟ ومن؟ سمح أصلاً بإنشاء هذه الجامعات والكليات المخالفة للشروط؟ ولا يكفى أن نعرف الإجابة، ثم نصمت عن المساءلة.

لو صحت الحكاية

طالبة بإحدى الجامعات الخاصة، ذهبت لحضور حفل التخرج، والحصول على شهادة تخرجها، بكلية التكنولوجيا الحيوية. أثناء توجهها لتسلم روب وكاب التخرج، فوجئت بعميد كلية الطب البيطرى بالجامعة ــ وليس عميد كليتها ــ ينتقد ملابسها، ويطالبها بمغادرة المكان، على الرغم من أن الطالبة كانت ترتدى فستانًا يصل إلى أسفل الركبة، وأنها لم تكن مخالفة لأى تعليمات معلنة.. خاصة بملابس حفل التخرج (على حد قولها). اعترضت الطالبة على أسلوب تحدث العميد معها، وغادرت المبنى. ووفقًا لروايتها، خرج العميد خلفها، واستدعى أفراد الأمن، ثم قام بتصويرها بهاتفه المحمول، واعترضت الطالبة على تصويرها.. باعتباره تعديًا على خصوصيتها. إلا أنه – بحسب روايتها -، رد بأن ملابسها تتيح له تصويرها. مشيرة إلى أن الواقعة.. جاءت فى الوقت الذى كان فيه طلاب وطالبات آخرون، يدخلون مبنى الكلية بملابس أقصر من ملابسها، دون أن يتم التعامل معهم بالطريقة نفسها.

إذا صحت الواقعة – كما جاءت فى المواقع الإخبارية الإلكترونية -، عن الطالبة، فنحن أمام مشكلة غير محدودة بإطار تلك الجامعة، وعليه يجب أن تكون المساءلة أو التحقيق، تتعدى كونها مسألة إدارية خاصة بتلك الجامعة، التى ينتمى إليها طرفا الواقعة.

إذا صحت الواقعة، فنحن أمام مؤشر آخر، يشير إلى مزيد من الفوضى.. التى تختلط فيها الأدوار والمسؤوليات؛ فلا يعرف «الأستاذ الجامعى» حدود مسؤوليته وإطار وظيفته، ويتجاوز مفتئتاً على دور الأسرة.

إذا صحت الواقعة – كما حكتها الطالبة (الخريجة) – فإن السيد العميد البيطري.. يكون قد اعتدى على «حرية» طالبة راشدة كاملة الأهلية.. أمام القانون، مسؤولة عن سلوكها وملبسها، ما لم تؤذ الآخرين أو تعتدى على حرياتهم.

يبدو أن هناك تغيراً نوعياً حاداً.. فى مفهوم دور «الجامعة»، ووظيفتها فى المجتمع. ويبدو أن هناك من يخلطون بين طبيعة ودور الجامعة، وبين طبيعة ودور «الجامع». بين «الحرم الجامعى» وبين «الحرم المكى». بين «المُعلم» وبين «المطوع». وما زال الفكر التسلطى «السلفوانى» (السلفى/الإخوانى).. نشطاً فى مسيرته الاختراقية لكافة مؤسسات الدولة.

من المؤسف أن نحكم على أخلاق الناس وسلوكياتهم.. بمازورة الترزية وقياس القماش، مازورة تكفين «الإناث» تلك.. التى تستطيل وتستعرض يوماً بعد يوم، أمام أعيننا الكليلة من كثرة البكاء على الزمن الضائع، زمن مجتمع ما قبل «الشعراوى»، وسلالته من الواعظين والواعظات، واحتجاب وتحجيب الفنانين والفنانات، والطلبة والطالبات والأطفال، والمجتمع بأسره قسرًا فى معظم الأحيان.

طريق الجبر والإلزام والفرض، ذلك الذى يبدأ بفرض الحجاب على الإناث (منذ الطفولة)، لابد أن ينتهى بفرض النقاب عليهن. فذهنية التسلط واحدة. والاختلافات تكون ثانوية، وفى مسألة التدرج واختيار الوقت المناسب.. للانقضاض والفرض والإجبار. ثم فى متى يقرن فى بيوتهن، ولا يخرجن منها إلا محمولات إلى قبورهن. 

هذا «السيناريو» ليس من صنع الخيال، فنموذج «أفغانستان» مازال ماثلاً أمام أعيننا.

معاهد العلم الجادة والجامعات – التى هى منارات للحرية والتقدم العلمى فى دولها – تتنافس على دعوة واستضافة العلماء لتستفيد منهم. أما جامعتنا المصرية المبجلة، فقد دخلت – فى العقد الأخير – سباقا على استضافة أحد «الوعاظ» الجدد؛، «حبيب» من ضيوف مصر.. كى يلتقى بطلابها، وأعضاء هيئات التدريس بها.. فى لقاءات عامة، لينعموا بقبس من نور إيمانه و«علمه» الدينى. وتساوت – فى هذا السباق – «جامعة القاهرة» العريقة، مع جامعات «الفلوس» الناشئة، وكأنهم يتسابقون على استضافة «نيوتن» أو «أينشتين».

ونختتم بأبيات من ديوان شعر منسوب لعلى ابن أبى طالب:

ما الفضل إلا لأهل العلم إنهمُ

على الهدى لمن استهدى أدلاءُ

وقدر كل امرئ ما كان يحسنهُ

وللرجالِ على الأفعال أسماءُ

وضد كل امرئ ما كان يجهلهُ

وَالجاهِلونَ لِأَهلِ العِلمِ أَعداءُ

وإن أتيت بجود من ذوى نسبٍ

فإن نِسبتنا جـود وعلياءُ

ففز بعلمٍ وَلا تطلُب بِه بدلاً

فالناس موتى وأهل العلم أحياءُ

نقلا عن »المصري اليوم«

شارك هذه المقالة