عمار علي حسن
(1)
ذكَّرني موضوع «قاع الهامور».. الذي يقيم الدنيا في مصر، ولا يقعدها، باستضافتي من قناة عراقية في أكتوبر من عام 2010، للتعليق على فيلم تسجيلي.. حول الحياة الثانية Second Life. وفيه كان الشباب المصريون.. يطلقون حياة افتراضية على الإنترنت؛ فهذا يرأس برلماناً يشرع ويراقب فعلاً، ويوجد من هو رجل أعمال ناجح، ومدير ماهر، ومن يتزوج نجمة هوليوودية، ومن يتسوق في الشانزلزيه، وهناك من جعلوا من أنفسهم.. علماء وأدباء، وأطباء ومهندسين.
يومها، قلت – تعليقاً على ما رأيته من عمل مبهر – إن الشباب يتمردون على واقعهم، ويرونه معوقاً لأحلام الأغلبية الكاسحة منهم. وأفضت في الشرح، ثم ختمت: يبدو أن العقل الجمعي – ومعه الوجدان والمخيلة – في حال اختزان لفعل كبير ما.
قد يصلح هذا مثلاً لفهم «ترند الهامور»، وقد لا يصلح.. مع تغير الظروف والسياقات، وسقوط الكثير من النماذج الإرشادية، لكنه – في كل الأحوال – قد يشير إلى ضجر شديد.. من هذا التفاوت الطبقي الرهيب.
(2)
أقسى مراحل التاريخ سوءاً.. لأي بلد، هو أن يظل أهله في انتظار نهاية الفشل وأهله. فإن حدث، يجدون أنفسهم في وجه فشل جديد.
إنها «الدائرة الجهنمية المغلقة».. التي لا تريد أن تنكسر؛ إنما تضيق، لتعصر الذين يقفون داخلها مُكتَّفين.. بانتظار الفرج، دون أن يعملوا له.
(3)
العدالة لا تحتاج إلى مدن.. إنما ضمائر. تحتاج إلى استقلال، وليس إلحاقاً أو استمالة. وتتطلب الإيمان بأن القضاء ولاية.. وليس مجرد مهنة أو وظيفة.
هذا الإصرار، على أن الحل في المباني.. وليس المعاني، ليس سوى تفكير مُكلِّف، وبعيد عما يقتضيه عصرنا، ولا أبالغ.. إن قلت إنه ليس في صالح البلاد ولا العباد
(4)
حفرة الاستدانة العميقة، تبتلع أشياء ثمينة جداً؛ بدءاً من الكرامة والكبرياء الوطني، وانتهاء بمقدرات التنمية والنهوض.
طريق وعر.. انزلقت إليه الأقدام. بل «دائرة جهنمية».. لا تلوح في الأفق إمكانية كسرها.
(5)
صرنا أمة في خطر شديد؛ أكثره.. لا يأتي مما يحاك لبلادنا، ويحيط بها من خارجها، لكنه مما فعله ويفعله بهذا البلد العريق.. بعض من شربوا ماءها، وأكلوا خبزها، ودبت أقدامهم في شوارعها، وكانوا يهتفون للعلم، ويرددون النشيد.. وهم صغار.
(6)
حين تخطئ أي سلطة سياسية، فلا يكفي أن تدعو الله ليجبر كسرها، ويقيل عثرتها، ويزيل حيرتها.. إنما عليها تصحيح الخطأ، دون تردد.
ولا تصحيح إلا باعتراف صريح.. لا لبس فيه، بأن المسار الذي مضت فيه.. لم يكن الأسلم أبداً، وأن نتائجه كانت مروعة، وأن العدول عنه – الآن قبل الغد – واجب، لأن الإصرار عليه.. سيدخل البلاد والعباد إلى ما لا قبل لها، ولا لهم.. به.
غير ذلك، لن يوضع كل ما سمعناه ورأيناه.. إلا في باب «الرجاء»، أو «المسكنة»، أو «المناورة».. التي لن تطعم الجائعين خبزاً، ولن تقي الدولة من الخطر.
(7)
هرب المصارع الشاب زياد حجاج.. من البعثة الرياضية المصرية.. إلى سلوفاكيا.
واقعة تكررت في السنوات الأخيرة، ووعد القائمون على الرياضة.. والمتحكمون في قرارها – وأغلبهم لواءات جيش وشرطة متقاعدين – بحل هذه المشكلة المزمنة.. دون جدوى.
ما يجري في الرياضة، يشبه – في كثير من جوانبه وعوائده – ما يجري في غيرها.
إنه لأمر محزن، أن يفكر كل متميز ببلادنا.. في الهروب منها، لأنه لا يرى ما يحفزه على البقاء.. غير الوعود والأناشيد، والدعايات الفارغة.
الغريب في ظل هذا، أن هناك من يتوهمون أنهم سيحققون شيئاً مختلفاً.. في وقت يصرون على الفهم نفسه، والتصرفات نفسها.
(8)
كأي قائد متسلط غوغائي، يغطي دونالد ترامب على توعك جيشه، وعجزه، ووقوفه على باب هزيمة استراتيجية.. بالثرثرات الجوفاء؛ وآخرها.. وجود قناة اتصال أمريكية سرية مع قيادات في الحرس الثوري الإيراني.
إن كانت حرباً نفسية، فقد جربها ترامب مرات.. ولم تجد نفعاً. وإن كانت محاولة لإحداث بلبلة في صفوف الإيرانيين فقد فعلها غير مرة.. وكان نصيبها الفشل.
من يفتح قناة سرية.. لا يفضحها. ومن يعتقد أن الدعاية بديل للإنجاز العسكري الميداني.. خاطئ في تقديره.
العالم كله.. تعوَّد أن يقول ترامب ما لا يفعله، وسيضيف تصريحه الأخير هذا، على جملة تخرصاته وتهويلاته.
(9)
تمطأ البحر، فتتابع الموج هادراً.. يصفع وجه الشاطئ الطويل.. بلا هوادة، ورعدت السماء، وومض برق شرقاً وغرباً، وزخ المطر.
هبت ريح عاتية، كنست السحب، فتوقف الرعد والبرق، وانكمش البحر وراق، فمات الموج، وترك خلفه شاطئاً ناعماً كالحرير.. ينعم بالسكينة.
كان يجلس على صخرة عالية، يتابع صامتاً.. تقلب الأحوال؛ ظهره إلى الخلاء الممتد، وعيناه ذاهبتان في الأفق الرمادي المخيف، وبقايا مطر تتقاطر من رأسه، منتظراً إفراج السحاب عن الشمس.
انجلت السماء، فوجد الشمس قد جنحت إلى المغيب، وقبل أن يبتلعها البحر.. رن هاتفه، وجاءه صوت زوجته يقول: أعزيك في موت جارنا العجوز، وأهنئك في ولادة جارتنا الحسناء.
نقلاً عن «المصري اليوم»