Times of Egypt

ما يجري للرئيس الأمريكي.. وما يجري لنا ولغيرنا.. بسببه

M.Adam

جميل مطر

كمراقبين.. لبعضهم بعض الخبرة السياسية، وبعض الخبرة الدبلوماسية، وبعض الرغبة المستمرة في التعلم، وبعض القدرة على التحليل المتوازن والموضوعي، وبعض النوايا الوطنية والقومية، وبعض الذاكرة القوية.. نعترف أننا نعيش أياماً مشهودة، الفضل فيها لرئيس دولة عظمى؛ رأيناه يتصرف تصرفات مدهشة.. حيناً، لكن كارثية.. في أحيان كثيرة، حتى رحنا نراقبه؛ مراقبة لم يحظَ بمثلها سلف ولا رفيق أو عدو.

أولاً: رأيناه يطالب زوراً.. بحقوق توسع وحيازة لبلاده خارج حدودها، وهي بريئة من الادعاء بهذه الحقوق، يطالب بحق بلاده في احتلال جزيرة جرينلاند الدنماركية، ودولة تطل على قناة مرور بين المحيطين الهادي والأطلسي، وضم كندا كولاية أمريكية برقم فوق الخمسين. رأيناه يحرك أساطيله لغزو دولة في أمريكا اللاتينية.. ليحصل على نفطها، ويهدد بالغزو دولة أخرى في هذه القارة اللاتينية، ويتجاسر فيعين وزير خارجيته رئيساً قادماً لها.. فور القضاء على استقلالها، ويشن حرباً على دولة آسيوية قديمة قدم التاريخ؛ استجابة لضغط دولة ثالثة.. تُكن لها العداء، بل يجاهر بما لم يجاهر به رئيس دولة أخرى في التاريخ القريب – وربما البعيد – فيهدد بمحوها.. أمة وحضارة وتاريخاً، محوها من كل أطلس ومعجم وسند، دينياً كان أم غير ذلك.

ثانياً: رأيناه – في هذه الحالة الفريدة – يشن حرباً تحت عنوان «عملية عسكرية»؛ عنوان استعاره من رئيس دولة عظمى أخرى.. في حرب قرَّرت هذه الدولة العظمى (وهي الاتحاد الروسي)، شنَّها على أوكرانيا.. انتقاماً من نيَّة حكومتها التفكير في الانضمام إلى الحلف الأطلسي. كانت العملية العسكرية التي شنَّها الرئيس الأمريكي على إيران.. حرباً بكل معنى لهذه الكلمة؛ استُخدمت فيها الطائرات المخصصة لحروب أعظم، والصواريخ عابرة البحار والدول.. المنطلقة من القواعد العسكرية المنتشرة قريباً وبعيداً عن حدود هذه الدولة المقرَّر محوها. وبالرغم من كل هذه الصفات.. الضرورية لتعريف حالة الحرب، رفض الرئيس التقدم بطلب الموافقة من الكونجرس. لم يعلن الحرب، لكن لم يتخلف عن إعلان وقفها.. في مهرجان صاخب.

ثالثاً: رأيناه يدخل قاعة اجتماع قمة السبع. عوَّدنا دائماً على أنه لا يدخل قاعة اجتماع ..إلا بعد أن يكتمل حضور جميع أعضاء القمة. رأيناه يدخل كعادته، بعد أن اكتمل حضور باقي أعضاء القمة؛ يمشي خطوات.. فيلحق به المنظمون، ويقودونه إلى مسار آخر، ثم ثالث.. نحو مقعده. يفاجئنا – وكل أهل القمة – بتوقفه في مواجهتهم؛ ليعلن بأعلى صوت ممكن، ودون سابق سبب – أو مناسبة – عبارة «أنا الزعيم». منظر فكاهي، ولكن لم يترجم نفسه.. إلا في شكل وجوه تكشف عن ابتسامات ساخرة. نشهد أنه على وقع وصدى هذه السخرية.. بدأت الجلسة الرئيسة لقمة السبع.

رابعاً: في هذه اللحظة، تذكرنا الرئيس.. في مواقف أخرى ليست أقل شذوذاً أو غرابة. تذكرناه وفي يده رسم بقلمه.. يُظهره في قامة المسيح وملابسه. وعلى لسانه حكاية.. أنه لم يقصد التشبه بالمسيح، وإنما بطبيب يعالج كل البشر. تذكرناه أيضاً وقد رسمه آخرون.. في شكل ملك يضع على رأسه التاج، وكان الرسم.. سبباً في اشتعال مظاهرة، قيل عنها إنها كانت مليونية النوع والعدد والتنظيم، وقيل إنها جاءت رداً على محاولاته المتعددة.. التقدم على الملك شارل، أثناء استعراض حرس الشرف.. خلال زيارته للمملكة المتحدة، وزيارة الملك لأمريكا. رأيناه أيضاً.. حين قرَّر الرد على بابا الفاتيكان؛ متهماً إياه بنقص الدراية في مسائل الجريمة والمجرمين، عندما علق قداسته – بشكل غير مباشر – على التهديد الأمريكي المتكرر بمحو حضارة إيران.

خامساً: سمعناه يتحدث عن معالم جديدة.. يؤسسها للعاصمة الأمريكية، تحل محل معالم صارت – بالعرف – رموزاً تاريخية. كان رد الفعل الشعبي، أو على الأقل داخل أوساط النخبة الحاكمة.. غاضباً في أسوأ الأحوال، وساخراً في أحسنها. لم تُجدِ فكرة بناء قوس للنصر.. يُخفي خلفه رموزاً مهمة، أو فكرة تحول مياه البحيرة الشهيرة (وسط واشنطن) من لونها الأخضر.. إلى لون أزرق. ما زلنا – بعد مرور أيام عديدة من عمل الخبراء – نسمع عن استحالة تنفيذ هذه الفكرة، ناهيك عن الأموال الوفيرة.. التي أنفقت لتنفيذها. رغم ذلك، رفض الرئيس التوقف عن التنفيذ.

سادساً: حاول الرئيس وفشل.. في وضع اسمه سابقاً لاسم الرئيس كينيدي.. على مدخل قاعة الفنون والآداب، التي أنشئت تكريماً له (لكينيدي).. وبأموال التبرعات الفردية.

بالمناسبة، لم يتوقف سعينا للتوصل إلى الأسباب الحقيقية – غير العنصرية – وراء كراهيته لعائلة أوباما، وتشبيهه لهم بالقرود، ووراء سخرياته – التي وصفت بالمتوحشة – لأن الرئيس أوباما.. حسب رأي الرئيس ترامب، لم يحارب إيران، وأنه وقع على صفقة سيئة وفاشلة، تتعلق بتخصيب اليورانيوم.

لم تكن حملات الرئيس ترامب.. ضد كل من هيلاري كلينتون وكمالا هاريس.. بأقل سوءاً؛ حتى قيل إن هذه الحملات – لكثرتها – صارت سبباً في الخشية.. من أن تصبغ – بلونها وإيحاءاتها العنيفة – الثقافة السياسية الأمريكية لأجيال قادمة. رأينا أيضاً الهجمة الهائلة في ردود فعل الرأي العام، حول تنامي الأخبار العديدة.. عن الثروات التي استطاع الرئيس ترامب وعائلته تجميعها، من خلال عمليات لها علاقة مباشرة بمؤسسة القضاء، وغيرها من أجهزة العدالة. يتكرر القول إن الثروات تجاوزت البلايين الأربعة، ولم ينقضِ أكثر من ثلث مدة ولاية الرئيس في الحكم.

اشتعل الغضب أكثر كثيراً، عندما انشغلت القنوات الإعلامية ببث أخبار عن ثورة الشعب الألباني.. على الترخيص الاستثماري الذي حصل عليه جاريد كوشنر – صهر الرئيس – لبناء منتجع سياحي على جزيرة.. تخضع لقواعد دولية ومحلية، تحرم الاستيطان والتعمير فيها.. لاعتبارات بيئية. تعليقات عديدة، حاولت الربط بين هذا الترخيص، والترخيص المتوقع صدوره من مجلس السلام في غزة.. للسيد كوشنر، لإقامة «ريفييرا» غزاوية. 

تعليقات أخرى، انطلقت خلال الساعات الأخيرة، أثارها نبأ ضم جاريد كوشنر إلى جهاز التفاوض الأمريكي.. حول صفقة بليونية؛ أطرافها دول عربية ودول أخرى، والولايات المتحدة وإيران، هدفها مد إيران – بعد الحرب – بمنح تغطي التزاماتها الغذائية والإعمارية.

سابعاً: لم نكن يوماً غافلين عن دور «الآيباك».. في صنع السياسة الخارجية الأمريكية. إلا أننا نقف اليوم شهوداً.. وللمرَّة – لعلها – الأولى.. على حرب وجود تشنها مؤسسات وعملاء الآيباك في مختلف أجهزة الدولة؛ كالكونجرس، والاستخبارات الداخلية، والخارجية، والجامعات، ومنظمات الطلبة والأساتذة، وحركة «ماجا»، وأفراد في حكومة الرئيس ترامب؛ بينهم حسب التسريبات ماركو روبيو.. الطامح إلى منصب الرئيس في الانتخابات المقبلة. الهدف الرئيس للآيباك – خلال الشهور القليلة القادمة – يتلخص في وقف تنامي ظاهرة حماسة الشعوب (وبخاصة الشباب) ضد إسرائيل، وحربها ضد الفلسطينيين واللبنانيين، وهيمنتها على السياسة في أمريكا.. والغرب بشكل عام. هي – بالفعل – حرب وجود.. بالنسبة للدور الذي تعودت أن تقوم به آيباك.

ثامناً: سمعناه يصف – فيما يقترب من شعر الغزل – الطائرة التي تلقاها هدية من رئيس دولة من الدول الغنية، أطنب الرئيس المتلقي للهدية.. في الإشادة بفخامتها وجمالها وقيمتها. أما التعليقات من كل الجهات فاهتمت بالصفة الأساسية، وهي أن الطائرة الفاخرة ليست أكثر – ولا أقل – من كونها «هدية سياسية»، أي هدية لها قيمة من نوع مختلف.. عن قيمة أي هدايا أخرى؛ قيمتها الحقيقية يقدرها «الهادي».. في أي وقت يختاره.

لا مبالغة في القول.. بأن العالم يمر بأيام حرجة، أيام تعمل فيها الدول العظمى ليل نهار.. في الاستعداد ليوم تتقاسم فيه المسؤولية، عن إدارة نظام دولي جديد.. كل بما تستحقه من تقدير واحترام، لمجمل مكونات قوتها؛ الناعم منها والجميل، والصلب، والمتقدم حقوقياً وإنسانياً. أضف إلى هذه المكونات.. مكوناً – استجد في السنوات الأخيرة، مزوداً بقوة إقناع ملفتة – ألا وهو العمر الحضاري.. للدول الطامحة في موقع لها.. في قيادة نظام دولي – أو إقليمي – جديد.

نقلاً عن «الشروق»

شارك هذه المقالة