Times of Egypt

إزيك «يا باشا»

M.Adam
نيفين مسعد

نيفين مسعد

لا أعرف كم عدد المرات.. التي زرت فيها المغرب، لكنها كثيرة وممتدة على مدار ما لا يقل عن ثلاثين عاماً. وفي كل هذه المرات، لم أتوقف عن محبة المغرب وأهل المغرب، لأنني أعتبر أن هذا البلد.. يقدم نموذجاً فريداً للمصالحة بين الأصالة والمعاصرة. مآذن منتشرة.. في بلد حاكمها هو أمير المؤمنين، ومطبخ شرقي لذيذ.. درة تاجه الكسكس والطاجين والبستيلة. جلابيب أشكال وألوان، ومصنوعات خزفية بديعة، تختلف نقوشها.. من كازا بلانكا (الدار البيضاء) للرباط، ومن فاس لمراكش. وحواة وسحرة، وقارئون للكف، ورعاة للغنم.. في الصحارى الشاسعة. رسم بالحناء، وتاي (شاي) بنكهة مميزة، وزيت الأرجان – الذي يدخل في كل شيء بالمعنى الحرفي للكلمة – وحمام بلدي.. هو الأشهر على مستوى الوطن العربي. 

هذا كله، مع طلاقة في استخدام اللغة الفرنسية، والوعي بثقافة التعامل مع السائحين (أضع تحت هذه الجملة خطوطاً كثيرةً)، وبنات يمشين براحتهن في الشوارع.. لا يتعرَّض لهن أحد (أضع تحت هذه الجملة خطوطاً أكثر)، وكافيهات الرصيف على النمط الأوروبي.. يعمرها شباب من الجنسين، مع حواسب مفتوحة.. للشغل أو للتسلية. ولع بالفلسفة، وإنتاج رصين وغزير في مجالها. وحيوية حزبية ونقابية، وحركة نسوية قوية، وانتخابات لا تُعرف نتائجها مسبقاً (وتحتاج هذه الجملة أيضاً لعدة خطوط من تحتها)؛ فعدا توارث الحكم، وانتقال السلطة.. من الملك لأكبر أبنائه، أو لمن يختاره من بينهم، فإن كل شيء قابل للتغيير.

الطبيعة في هذا البلد.. هي – بالتأكيد – منحة ربانية؛ فالشواطئ الطويلة على البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، مع سلاسل جبال أطلس الشاهقة.. مشهد لا يمكن تفويته. لكن للإنسان دخل كبير.. في بروزة هذا الجمال، ووضعه في أفضل إطار ممكن؛ فالخضرة منتشرة على مدد الشوف، وأشجار النخيل ممتدة الظلال.. تلطف حرارة فصل الصيف. 

ومن المشاهد المألوفة في عدة مدن، ذلك المشهد الممتع للمغاربة.. وهم يفترشون الحدائق العامة في المساء.. على مدار الأسبوع. تجمعات كبيرة.. لأسر وأصدقاء وعشاق، وحتى أفراد بلا صحبة أو ونس، يبحثون عن نسمة هواء، ومتعة مجانية.. لمن لا يقدر منهم على ارتياد الحدائق مدفوعة الثمن؛ كـ «حديقة ماجورال» البديعة.. في مراكش، أو «حديقة منارة رأس سبارتيل».. في طنجة. 

وبمناسبة الحدائق، توجد في كازا بلانكا (الدار البيضاء).. حديقة كبيرة تحمل اسم «حديقة الجامعة العربية»، وكانت هذه مفاجأة بالنسبة لي، فكل علمي.. أن في مصر – وربما في دول أخرى – شارع باسم الجامعة، أما الحديقة فهذا جديد علي. 

ثم إن التخطيط العمراني.. حريص على أن تكون لكل مدينة مغربية شخصيتها المستقلة، من خلال لون خاص لكل منها؛ وهذا أيضاً من صُنع البشر. وبالتالي، فإن مراكش مدينة حمراء، وكازا بلانكا مدينة بيضاء، أما شيفشاون (أو شيشاون كما ينطقها المغاربة).. فلا تجد فيها إلا اللونين الأبيض والأزرق.. في البيوت والجدران والسلالم والمحلات وإشارات المرور؛ مدينة أمازيغية صغيرة جداً، وبسيطة جداً، لكنها تخطف القلب بدون استئذان.

في مصر – كما في الدول العربية الأخرى – يوجد للفن المصري دور عظيم.. في صُنع ضفائر المحبة والود.. مع شعوب هذه الدول؛ فمن الصعب أن تفصل الذاكرة.. بين ساحة جامع الفناء في مراكش، وبين مشهد سعاد حسني ورشدي أباظة.. وهما يلتقيان هناك بالصدفة في فيلم «الحب الضائع».. رائعة عميد الأدب العربي طه حسين. ومن بعد، فتح هذا الفيلم الطريق لتصوير أفلام مصرية أخرى. 

«إزيك يا باشا».. جملة كانت تستقبل زوجي.. في كل مكان ذهبنا إليه؛ فمن متابعة الأعمال الفنية المصرية، تصور المغاربة أن «إزيك يا باشا».. هي الوسيلة المعتمدة لترحيب المصريين ببعضهم البعض.. وبالآخرين، وهناك ما يبرر ذلك. فنحن نطلق لقب «باشا» على المسؤول الكبير وأبنائه، ونتداوله – بالتبادل – مع لقب دكتور.. الذي نخلعه على كل من هب ودب، كما أننا نستخدمه تحت بند الغزل العفيف.. من المحب لمحبوبته، وفي أحيانٍ نادرةٍ.. نقوله على سبيل التهكم. وأذكر ذات مرة في تونس، أن زميلة في إحدى الندوات.. أرادت أن تتباسط معي، فقالت لي.. وهي تمط الكلمات مطاً: شكراً يا ادلعدي!!! وفي ظنها، أن هكذا ينادي المصريون بعضهم بعضاً.

الحضور الأكبر للفن المصري في المغرب، هو لفن الزمن الجميل – كما نسميه – فأكثر من شاب.. حدثنا كيف أن أهله متيمون بأغاني أم كلثوم وعبد الحليم حافظ، وعلاقة العندليب الأسمر بالملك الحسن الثاني.. كانت وطيدة جداً. أما عامل الفندق الظريف، فعندما أراد التدليل لنا.. على إنه تربى على حب الطرب المصري الأصيل، انطلق يغني «سواح وانا ماشي ليالي .. سواح ولا داري بحالي».. من لحظة طلب المصعد، وحتى أوصلنا إلى باب الغرفة، وكان صوته نص نص. 

للدرجة دي يا رشيد؟ سألته في فخر، وفي خلفية ذهني.. تتردد أغنية «المصريين اهمه»، فرد مبتسماً: أيوه مصر أم الدنيا، والمغرب أبوها!!! وبغض النظر عن ملاءمة هذه الجملة لسياق الكلام، إلا أن حكاية «مصر أم الدنيا والمغرب أبوها».. معروفة على نطاق واسع في المغرب، ربما من باب أن البلدين من أعرق دول المنطقة. في بعض الأحيان ذكر لي أبناء «جيل زد».. أنهم يستمعون أيضاً لأغاني تامر حسني وأحمد سعد، وحمَّلتني موظفة شباك التذاكر – في أحد عروض الفولكلور- السلام الحار لفيفي عبده.

أخشى القول، إن كثيراً من المصريين – ومنهم بعض المسؤولين – لا يقدِّرون القيمة الثمينة للفن المصري، ولقدرته الفذة.. على تحقيق النفاذية السلسة إلى قلوب الشعوب العربية. فهناك حملات ممنهجة.. من التسفيه والتشويه، والاستخفاف بالفن والفنانين، لا يمكن أن يخطئها أحد. وهناك رواج للإعلام الفضائحي، الذي يسلط الضوء على كل ما هو ناشز ومنفر وتافه وقبيح، ويعمم منه على الجميع. وهناك تحريض للرقابة والمنع والعقاب، والتعامل مع الفن.. باعتباره إثماً موجباً للتوبة. هذه النظرة الدونية للفن، هي جزء من مناخ عام.. يحاصر الجمال والرقي والذوق الرفيع، ويستخدم الصوت العالي.. لإسكات الأصوات المعارضة. ويمكن أن أتفهَّم أن جانباً من الفن.. مسؤول عن هذه النظرة الدونية؛ من خلال الأعمال الهابطة التي يقدمها، لكن جانباً آخر مقصود ومتعمد. 

وعلى المستوى الشخصي، استأت جداً من إطفاء أنوار المسرح.. بينما كان الطلاب يمثلون مسرحية.. في إحدى الجامعات المصرية. والسبب هو أن «الفن حرام». فلو نظرنا للبدايات الأولى لبعض كبار فنانينا.. لوجدنا أنها ارتبطت بمسرح الجامعة، وأن مواهبهم صقلتها أعمال مسرحية ثقيلة.. من نوع «هاملت» و«تاجر البندقية». لكنني – في الحقيقة – لم أستغرب تحريم هؤلاء المسؤولين للفن، لأنهم إنتاج طبيعي لبيئة غليظة ومنغلقة. وما لم تهتم الدولة بالفن، وتوفر البيئة المشجعة للإبداع، فسوف يتسع نطاق التحريم.

تحية لكل فنان مصري.. ترك بصمة في محيطه العربي. فهؤلاء الفنانون.. هم قوة مصر الناعمة، وإليهم ندين بكل هذه البشاشة، التي تقابلنا بها الشعوب العربية.. فقط لأننا نتكلم مثل… الأفلام والمسلسلات.

نقلاً عن «الشروق»

شارك هذه المقالة