Times of Egypt

ما بين القوسين

M.Adam
أحمد الجمال

أحمد الجمال

هو قوس تم فتحه منذ زمن، ويبدو أن الوصول للقوس الآخر المقابل – أي قوس الإتمام – أصبح وشيكاً. وما بين القوسين هو متنٌ مؤداه – باختصار مُخل – إنهاء فكرة وتيار الانتماء العربي المشترك حضارياً – أي ثقافياً ومدنياً – بعد إنهائه سياسياً واستراتيجياً؛ لتنتهي بإنهائه.. أي احتمالات لملء فراغ المنطقة بتصورات وإرادات وإمكانيات وتطبيقات أبنائها (الموزعين على 22 دولة، تمتد رقعتها الجغرافية من المحيط الأطلسي غرباً إلى الخليج شرقاً، ومن مشارف هضبة الأناضول شمالاً إلى بحر العرب جنوباً).

وسواء كان المطروح القائم.. هو جامعة للدول العربية، أو المطروح المأمول.. هو مؤسسات عمل مشترك سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وثقافياً، أو المطروح هو شرق أوسط.. تكفل مؤسساته فاعلية للناطقين بالعربية، سواء بسواء مع الناطقين بالعبرية والتركية والأمهرية والفارسية؛ فإن الذين يريدون ملء فراغ المنطقة وبالقوة.. يصرون على ضمان عدم وجود أي فاعلية للناطقين بالعربية، والعمل على منعهم وحرمانهم – بكل الوسائل – من أي يقظة تحتم عليهم محاولة إحياء ثقافتهم ومدنيتهم، أي حضارتهم، وليكونوا دوماً في درجة متدنية.. تتحكم الأطراف الأخرى في حاضرهم ومصيرهم. 

ولضمان ذلك، فإن تلك الأطراف – وبشكل أساسي الدولة الصهيونية والولايات المتحدة، ثم بدرجة ثانية بقية الناطقين بغير العربية، وخاصة الأمهرية والفارسية، ثم بدرجة ثالثة التركية – لا تكتفي بتعظيم وتصعيد النزوعات القطرية الضيقة لدى الناطقين بالعربية، ولا بتأليب عوامل التفتيت العرقي والجهوي، وإنما – وإضافة لذلك – العمل على تعميق وخلق فجوات تصل إلى حد القطيعة، وربما تصل أحياناً إلى الاقتتال والقتال وإراقة الدماء، بما يصاحبها من تدمير وتخريب، ويتوَّج ذلك بالإجهاز على الدولة الوطنية.

وللأسف، فإنني ممن يذهبون إلى وجود فرق عمل داخل الدول الوطنية – بين قوسين «العربية» – تعمل وفق تقسيم عمل منظم.. لتحقيق ذلك الهدف. وليس شرطاً أن يكون أعضاء تلك الفرق مجندين استخباراتياً، أو مرتبطين وظيفياً وتوظيفياً، وإنما قد يكون بعضهم منساقاً في ذلك التيار المعادي للغة العربية، وللثقافة العربية، وللانتماء الحضاري العربي، ولأي فكرة أو أي تطبيق عملي.. يعظمان من فرص وجود احتمالات لتنسيق أو تكامل أو اتحاد أو وحدة فيها وصف «عربي»! 

ومع الأسف، فإن الأسى هو أن يتمكن أي مراقب – عاصر هذا النزوع دون الوطني، أي الذي لا تهمه الدولة الوطنية المكتملة، بقدر ما يهمه نفوذه فيها وسيطرته على مقدراتها – يتمكن من رصد المحطة الأولى في دول الخليج؛ وهي محطة شعار «لقد انتقل القرار العربي من دول الماء إلى دول النفط»، وهو شعار أطلقه أول أمين لمجلس التعاون لدول الخليج. 

ثم وجدنا من سعى لفلسفة الأمر نظرياً؛ بما مؤداه أن هناك خصوصية حضارية لدول الخليج، تجعلها تختلف عن بقية المحيط العربي، لأنها ملتقى لحضارات ثلاث هي العربية والفارسية والهندية، وأنها ديموغرافياً «سكانياً» تجمع بين منتمين لهذه الحضارات، ومن ثم لا يجوز نسبة دول الخليج إلى المنظومة الحضارية والسياسية العربية وحدها، لأن في ذلك إجحافاً بقيمة ودور بقية المكونات. 

ثم وصل الأمر – خلال العقود التي تلت ذلك الطرح – إلى ألا يستتر المغالون فيه.. من أن تكون لغة الحديث في منازل بعضهم هي الفارسية مثلاً، ولا أن تكون أطروحاتهم الفكرية وقناعاتهم السياسية – التي تعبِّر عنها مقالاتهم أو محاضراتهم أو أحاديثهم – صريحة لدرجة الوقاحة.. في كيل الاتهامات الباطلة لكل ما يُعد من مكونات الانتماء العربي.. فكراً، وممارسات وأهدافاً، لنصل الآن – ومن خلال شاشات الفضائيات – لرؤية وسماع بعضهم.. وهو ينادي بانتهاء أي صلة للخليج بما هو عربي؛ تراثاً وفلسفة وفكراً وثقافة ومصالح ومستقبلاً، رغم أن ديباجة إنشاء مجلس التعاون تنص – بوضوح – على ربط حاضر ومستقبل دول المجلس بالأمة العربية، وفيها: «واقتناعاً بأن التنسيق والتعاون والتكامل فيما بينها، إنما يخدم الأهداف السامية للأمة العربية».. «وتماشياً مع ميثاق جامعة الدول العربية.. الداعي إلى تحقيق تقارب أوثق وروابط أقوى.. وتوجيهاً لجهودها إلى ما فيه دعم وخدمة القضايا العربية والإسلامية؛ وافقت فيما بينها على ما يلي».. ثم تأتي مواد إعلان المجلس. 

والملاحظ، أن الأعلى صوتاً في معاداة «العربية».. هم من أصول غير عربية، ويبدو أن ثمة عقدة دفينة.. تحفزهم على نفي أي انتماء عربي، ربما لمعاناة متوارثة لحقت بأسلافهم، وربما بهم، وآن أوان الانتقام. 

وعلى جانب آخر، لم نعدم في دول الكتلة السكانية الأكبر – الممتدة من العراق إلى سوريا الطبيعية ثم مصر وشمال أفريقيا – من يدخل بأطروحاته داخل القوس؛ ابتداء من دعاة «الفرعونية» ودعاة «البحر متوسطية» و«دعاة الفرانكفونية» ودعاة «الإسلاموية»، وبالطبع وجدنا من يستنكر ويؤصل لعدم انتماء مصر لحضارة عربية إسلامية، ويريد تغيير اسم البلد وعلَمها ولغتها ودورها.

وهذا حديث آخر.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة