د. نيفين مسعد
من قبل أن نعرف.. أن هناك «ماسكات» لشد الوجه وترطيبه وتقشيره، وتفتيحه وتنعيمه و..و..و.. رأينا ونحن ما زلنا في ابتدائي.. «ماسك الخيار» على وجه طنط ناولة. كنا ندخل عليها وهي متمددة على فراشها الوثير، وفوق عينيها دائرتان من الخيار، بينما الوجه كله مغطى بالزبادي.
أول مرة رأيت فيها هذا المشهد.. في مرحلة الطفولة، تملَّكني الفضول الشديد؛ ففي بيتنا.. كان الزبادي بالخيار هو من المُقبِّلات، التي تقدَّم إلى جانب بعض أنواع الأطعمة. أما أن يوضع فوق الوجه، فهذا هو العجب العجاب. كنا نأخذ وقتنا في اللعب ساعة أو ساعتين، وعندما تأتي طنط ناولة.. لتطمئن علينا، وتضيِّفنا ببعض الحلوى اللذيذة، كان وجهها ناصع البياض.. يبدو كوجه القمر. في الحقيقة، لم تكن هذه السيدة المبهرة.. في حاجة إلى ماسك خيار، ولا غير خيار؛ فلقد تحققت فيها الوصفة المضمونة للجمال: الشعر فاحم السواد، مع العينين الخضراويين. كثيراً ما تردد في داخلي سؤال.. حول السبب الذي يمنع أمي من أن تضع على وجهها هي الأخرى.. ماسك خيار، رغم أنها كانت من نفس عمر وطبقة وتعليم طنط ناولة. لكني لم أكن أجرؤ على طرحه على أمي، فلقد كانت من المؤمنين بنظرية «اكسر للبنت ضلع.. يطلع لها اتنين». وبالتالي، فإن مناقشة هذه الأمور كانت ستُعد – بالتأكيد – بمثابة تجاوز للحدود.
عندما كبرت قليلاً، بدأت أنظر للأمر بشكل مختلف؛ بمعنى أن ماسك الخيار كان – بالتأكيد – تعبيراً عن اهتمام طنط ناولة بمظهرها، وحبها للحياة، وإقبالها عليها. لكنه – في الوقت نفسه – بدا لي.. كما لو أنه كان محاولة لتحدي واقع.. أجبرها – وهي في مقتبل عمرها – على أن ترتبط بزوج ثري، يكبرها بسنين كمثل عمرها، وربما أكثر منه. بتعبير آخر، تخيلت أن الشخصية الحقيقية لهذه المرأة الجميلة.. هي تلك المتخفية وراء ماسك الخيار، لأنه يعطيها وجهاً طبيعياً آخر.. غير الوجه المصطنع الذي تظهر به للناس، مع زوجها الكهل المتسلط.
وضع الماسك يريح عضلات الوجه.. من تصنُّع الابتسام، والتفهُّم والتعاطف.. وكل التعبيرات الأخرى المفتعلة، التي كانت تضطر لتقمصها.. كي تعيش في دور الزوجة المحبة والسعيدة أمام الناس. ربما كان هذا التفسير.. لا أساس له من الصحة، ولعله ينبع فقط من محاولتي التماس العذر لامرأة في شرخ الشباب، تمر بهذه التجربة الإنسانية القاسية، ولأنني لم أكن أحب أن أقسو عليها بمعاييري الخاصة.. التي لا تتسامح مع هذه النوعية السيئة من الحياة. والتماس العذر لمن نحبهم أمر مقبول.
الغريب، أن الماسك سوف يلازم وجه طنط ناولة.. طوال حياتها، وإن اختلف شكله وأسبابه. امتحنت هذه المرأة قبل عدة سنوات.. بوفاة ابنتها البكرية وأول فرحتها، التي أودعت فيها بعضاً من أجمل جيناتها الوراثية. فجأة وبدون مقدمات ذهبت ابنتها/صديقتي إلى خالقها، وهي في زيارة خاطفة لآخر بلاد الدنيا، فكان وقع الصدمة على طنط ناولة مضاعفاً؛ صدمة الفراق المفاجئ لابنتها، وصدمة الملابسات التي أحاطت بهذا الفراق البعيد.
ألا تكون قادراً على زيارة أحبائك – الذين غادروا الحياة – حين تشتاق إليهم، أمر لا يتمناه المرء منا لمخلوق، فبقدر ما تؤنس هذه الزيارة أحبابنا الراحلين فإنها تشعرنا – ولعل الأدق القول إنها توهمنا – بأننا ما زلنا معهم، وأن أي شيء بخلاف محل إقامتهم لم يتغير. لم أقتنع أبداً بأن قراءة الفاتحة تذهب لأصحابها دون حاجة لزيارتهم، فقراءة الفاتحة بالقرب من الأحباب لها وقع مختلف.. مختلف جداً.
عندما طرقت باب طنط ناولة لأعزيها في ابنتها/صديقتي، أحسست بكياني كله يرتج وأنا أراها تأكلني بعينيها الخضراوين؛ كأنها ترى فيَّ.. تلك الغائبة عنها دون سابق إنذار. كانت في سوادها أنيقة كعادتها، مستقيمة الظهر كما عرفتها، تقاوم مشاعر الانكسار والانهيار بشبه ابتسامة.. وترحيب مبالغ فيه. سألتني: تشربي إيه؟ يا الله.. هل هذا ماسك آخر يا حبيبتي، تخفين به ضعفاً لا يليق بمن هي مثلك؟ وأيهما أصدق إذن، هذا التسامي فوق الفاجعة الذي تبدين عليه؟ أم هذه الدموع المترقرقة خلف الماسك؟ أجبتها: ولا حاجة. وما بين فتح باب شقتها الفخمة مرة لاستقبالي, ومرة لوداعي.. كانت هناك طبقات من الصمت الثقيل.
أخبرتني صديقة تعرفت عليها من فترة قصيرة جدا،ً أنها تعد لي مفاجأة حلوة لا أتوقعها. وعلاقتي بالمفاجآت ليست جيدة في العموم؛ فأنا من النوع الذي يحب التمهيد لكل شيء، ولا يحسن التصرف عند المفاجأة. لكن من باب اللياقة.. أبديت تشوقاً لمعرفة المفاجأة، خصوصاً أنها حلوة. ثم اتصلت بي الصديقة في ذات نهار.. لتخبرني بأنها مع طنط ناولة وهي تريد رؤيتي. كمثل حال البطلة في رواية «فوضى الحواس» لأحلام مستغانمي، تداخل في أعماقي ما هو حقيقي بما هو خيال، وما هو فرح بما هو رهبة، فلقد انقطعت صلتي بأم صديقتي.. منذ ذلك اليوم الذي ذهبت فيه لأعزيها.
أخذت وقت دهشتي ثم انطلقت: طبعاً طبعاً.. هو أنا أطُول، وحددنا موعداً للقاء. أخذ يشغلني كيف سأبرر انقطاع صلتي بطنط ناولة.. طيلة كل هذه السنوات، سأقول لها إني كنت أتابع أخبارها عن بُعد، لأطمئن إلى أنها بخير.. تتردد على النادي الشهير بين وقت وآخر، وتشاهد وهي تجلس قرب ملعب الكروكيه.. مع قلة من صديقاتها، هذا كله صحيح، إلا أنه لا يبرر الانقطاع. لكن ماذا نفعل مع الحياة.. التي تسحبنا إلى مساحات أقل ألفة، وأشخاص أبعد صلة؟
عندما زرتها، كانت تجلس على الأريكة الأوبيسون، وتسند ظهرها إلى باقة الزهور الشهيرة، التي تزين هذا النوع من القماش. أعرف جيداً هذا المكان وهذا الأثاث، وكل هذه التحف والأنتيكات؛ فأنا «صاحبة مكان».. كما يقولون. اخترت بدء الحديث من اللحظة الأجمل، التي شاهدت عليها هذه المرأة.. وهي تقاوم واقعها التعيس بـ «ماسك الخيار»، قلت لها: لسه فاكرة حضرتك في شقة المنيل، وعلى وجهك ماسك خيار. ولسعادتي الغامرة ابتسمت ابتسامة عريضة.. كانت كفيلة بكشكشة التجاعيد، وسحبها إلى جانبي وجهها، وأجابتني برد لذيذ مثلها: ولسه باعمل ماسكات وحياتك!!
نقلاً عن «الشروق»