نيفين مسعد
حكيتُ أكثر من مرة عن مغامرات الأحفاد.. مع «التشات چي پي تي»؛ فعندما عاتب الجدّ حفيدته.. على تأخرها في النوم أيام الدراسة، وعدته – باللغة الإنجليزية – بأن تغيِّر سلوكها. ولما طلب منها أن تكتب هذا الكلام باللغة العربية، استعانت بـ «التشات چي پي تي»، وكتبت: أعدك يا جدو أن أبذل قصارى جهدي للنوم مبكراً، وظن الرجل الطيب.. أن ما كتبته كان من بنات أفكارها. وعندما حذَّر التشات چي پي تي نفس الحفيدة.. من الخروج في أثينا، لأن الجو متقلِّب، رفضت التحرك ولو شبراً واحداً خارج الفندق، وبعد محاولات مستميتة.. لإقناعها بالخروج، وافقت بشرط.. أن تعود متى شاءت. صار التشات چي بي تي مصدراً للرأي والنصيحة والمعرفة، والصديق.. كما قالت عنه الحفيدة. وهذا المقال عن حكاية تخص علاقتي معه.
لستُ ممن يأخذون معلوماتهم الطبية.. عن طريق التشات چي بي تي؛ فالاعتماد على معلومات هذا التطبيق، لا بد أن يكون محفوفاً بالحذر.. في العموم، فما بالنا إن كان الأمر يتعلق بالصحة؟ والقاعدة هي أن التطبيق لا يُقدم لنا.. إلا ما يتوفَّر له من معلومات. وهي عُرضة لأن تتلوَّن – حسب الجهة أو الجهات التي تغذيه بها – والوعي بذلك مهم.
أصيبت إحدى صديقاتي بمرض الوهم. كانت قد مرت بظروف صعبة، خرجت منها.. لتدخل في دوامة من الأعراض الوهمية لعددٍ غير قليلٍ من الأمراض. لم تترك اسماً طبياً بارزاً – في الأمراض التي كانت تظن أنها تعاني منها – إلا واستشارته؛ أطباء قلب ومخ وأعصاب، وباطنة، وأمراض نفسية.. وكل شيء. أشعات وتحاليل بالكوم.. تراكمت فوق بوفيه سُفرتها القديمة، وزاحمت طبق الفاكهة الكبير.. المصنوع من الفضّة الخالصة. مواعيد الكشوفات والاستشارات الطبية.. أخذت تزحف على كل ارتباطات روتينها اليومي؛ فتُلغي ما تُلغيه، وتُؤجل ما تُؤجله. إنفاق باذخ على ڤيزيتات الدكاترة والأدوية، مع مقارنات لا تنتهي.. بين الآراء الطبية، وترجيح الرأي الذي يعتبر أن حالتها مقلقة.
دخلت المسكينة في نفق مظلم، فالكلام معها لا يفيد، والمنطق مركون على جنب. في العادة.. نحن حسَّاسون لمرض الأصدقاء، خصوصاً القريبين منهم، لكن هذه الحساسية تزيد مع تقدُّم العُمر. يتحوَّل الأصدقاء إلى ما يشبه المرآة.. التي نرى فيها أنفسنا، تنعكس تجاعيدنا ورؤوسنا البيضاء وخطواتنا الحذرة.. في وجوههم ورؤوسهم، وطريقة مشيهم.. كأنهم نحن، فما العمل، وكيف السبيل لإقناعها بأنها بخير، وبأن الأشعات لا تكذب؟
تذكرت الخادمة «توانات».. في مسرحية موليير الشهيرة.. «مريض بالوهم»، عندما تقمَّصت الخادمة المخلصة دور طبيب؛ لتحرِّر مخدومها أرجان من خزعبلات المرض، فهل هناك فرصة لتكليف أحد.. بتكرار ما فعلته توانات، أم أن ما حدث على المسرح يبقى فيه؟
لا توجد إجابة واحدة؛ فعميد المسرح العربي يوسف وهبي قال: إن الدنيا ما هي إلا مسرح كبير. لم يتبقَّ إذن من سُبل إلا اللجوء لأحد خيارين؛ الشعوذة أو الذكاء الاصطناعي.
للمرة الأولى، أستعين بالتشات چي پي تي.. في مسألة لها علاقة بالصحة. وقد انتهت تجربتي معه.. نهاية طريفة. وصفتُ للتطبيق حالة صديقتي بالتفصيل، شرحتُ له كيف انقلب حالها بين يوم وليلة.. من: الحمد لله أنا بألف نعمة، إلى ربنا يجيب العواقب سليمة. لخصتُ له ما وصلت إليه التقارير، وحاولتُ – قدر المستطاع – ألا أوجهه في أي اتجاه.
كان رد التطبيق، أن: هذا نوع من الاضطراب النفسي، وليس المرض العضوي.
سألتُ: ألا يوجد احتمال أن تكون الأعراض – التي تشكو منها – مؤشراً على إصابتها بأمراض عضوية؟ رد التطبيق: لا يوجد هذا الاحتمال، لأن كل النتائج سليمة.
عدتُ أسأل: لكن لعائلة صديقتي.. لها تاريخ طويل مع أمراض معينة، فهل يمكن أن يكون ما تعانيه مقدمة لها؟
رد التطبيق بأن: التاريخ الصحي للعائلة، يزيد فرص الإصابة، لكن امتداده – عبر الأجيال – ليس حتمياً.
سألتُ من جديد: لماذا ظهر الاضطراب النفسي.. بعد أن تخففت صديقتي من المشاكل التي تعاني منها؟ رد التطبيق بأنه: لا توجد أسباب محددة للاكتئاب؛ بدليل انتشار حالات الاكتئاب – بل والانتحار – في دول الرفاهية الاقتصادية.. كما هو الحال مع الدول الإسكندنافية.
معه حق. ورغم ذلك، سألتُ للمرة الرابعة: إن عدم وجود المشاكل، قد يكون هو نفسه مشكلة، لكن صديقتي لديها مشاكلها كباقي خلق الله.. فهل هذا القياس منطقي؟
رد التطبيق بأن: مثال الدول الإسكندنافية، كان فقط للتدليل على فكرة أن الاضطراب النفسي.. لا يحتاج لمبرر.
لم يشفِ الرد غليلي، فسألتُ: ماذا نفعل في حالة صديقتي.. التي لم تتحسَّن مع العلاج النفسي؟ رد التطبيق بأن: التعامل مع الاضطرابات النفسية يحتاج وقتاً طويلاً، ويمكن التفكير في وسائل مساعدة.. كالسفر.
آه، وقع التشات چي بي تي في المحظور، وبدأ يتدخل فيما لا يعنيه. ماله هو، إن كانت صديقتي تسافر أم لا؟
واصلتُ الاستجواب وسألتُ: ماذا يمكن أن نفعل غير السفر؟ رد التطبيق: لا تفعلوا شيئاً.. الدعم النفسي الطبي والإنساني حالياً.. هو كل المطلوب. ممم.. يبدو أنني قمت باستفزاز التشات چي پي تي، فإجابته الأخيرة معناها، أنه يريد إنهاء النقاش.. باعتبار أنه ليس في الإمكان أفضل مما كان.
لبعض الوقت، شعرت بإحساس – لا مبرر له – من السعادة، لأني زهَّقت التشات چي پي تي في عيشته، وبدلاً من أن يكون هو الفاعل، ونحن في موقف المفعول به، تمكنت من أن أحشره في الزاوية، وأضطره لإنهاء المناقشة.
قبل ذلك، لم أكن أعلم أن التشات چي پي تي.. يشعر، وأن صبره يمكن أن ينفد؛ فالذين يتعاملون معه يدركون أنه دائم التطوُّع.. باقتراح البدائل؛ عبر سؤاله الشهير: إذا كنت ترغب أستطيع أن أفعل لك كذا وكذا. لكنني أمطرته بالأسئلة، واستهلكت مخزونه من الإجابات، فبدا كما لو أنه اقتبس مقولة عادل إمام الشهيرة: الناس دي بتقول كلام زي الفل كي أسكت.
مضت على هذه الواقعة عدة شهور، تحسَّنت فيها حالة صديقتي بشكل ملموس؛ فقد يكون العلاج النفسي أتى بمفعوله. وقد تكون حالة التمرد الداخلي.. على شرور الآخرين، أدت دورها وانتهت.
أما الخطوة التي.. ما زلتُ أفكر فيها، فهي أن أبعث إلى التشات چي پي تي لأسأله: هل يمكن أن تعود صديقتي – لا قدَّر الله – إلى ما كانت عليه؟
لكني أعترف.. بأن ما يفصلني عن هذه الخطوة، هو خوفي من رد الفعل المحتمل!
نقلاً عن «الشروق»