محمد أبوالغار
أخبرتني الصديقة الروائية العراقية أنعام كجه جي – خلال زيارتي لباريس – عن معرض مهم لمصورة الفوتوغرافيا لي ميلر. ذهبت إلى متحف الفن الحديث، ووقفت في طابور طويل.. لأشاهد حوالي ألف صورة فوتوغرافية، التقطتها لي ميلر بين 1930 و1950. وعرفت أنها تزوجت رجل الأعمال المصري عزيز علوي، وعاشت في القاهرة بين 1934 و1939.
ثم فوجئت.. عندما اقتنيت كتاب منير نعمة الله – عن مذكراته الصادرة بالإنجليزية في لندن، أنه حصل على حق نشر جميع ما قامت بتصويره في مصر في الكتاب، وكتب فصلاً صغيراً عنها. زاد اهتمامي بها، حين عرفت أن هناك فيلمين روائيين.. أنتجا عن حياتها، وبالبحث والتنقيب، عثرت على نص كامل لرسالة دكتوراه عنها في جامعة جرينويش. ثم علمت أنه أقيم معرض كبير لها.. في متحف ألبرت وفيكتوريا، وآخر في المتحف الإمبراطوري البريطاني، وكلاهما في لندن. وقد قامت لي بتصوير عدد ضخم من الصور في مصر.. معظمها منشور في كتاب منير نعمة الله. وأشهر صورة التقطتها في مصر.. كانت لوحة (الفضاء)، التي تُعتبر من أهم الصور الفوتوغرافية في تاريخ العالم.
وُلدت لي.. في ولاية نيويورك عام 1907، وتوفيت عام 1977 في إنجلترا. يُجمع كل من كتب عنها.. أنها كاننت من أكثر نساء العالم جمالاً؛ في شبابها اشتغلت عارضة أزياء في نيويورك، ونُشرت صورتها على غلاف مجلة فوج الأمريكية.. بعد أن أصبحت من أشهر العارضات. وتعلمت التصوير، وافتتحت استوديو صغيراً للتصوير في نيويورك، وفي عام 1929 انتقلت إلى باريس.
في باريس، تعرفت على المصور السريالي العالمي مان راي، وأصبحت شريكة فنية وعاطفية له، وساهمت معه في ابتكار تقنية حديثة مختلفة.. تعطي الصورة شكلاً مختلفاً وأكثر جمالاً. ثم انفصلت عنه وافتتحت استوديو في باريس. وخلال حياتها في باريس، انضمت إلى مجموعة كبيرة من المثقفين، وشاركت بقوة في الحركة السيريالية الفرنسية. وصادقت جماعة الرواد المحدثين، وصورت بيكاسو – الذي رسمها أيضاً – وتعرفت على جون كوكنو، ومجموعة من الشعراء والكتاب والفنانين، واندمجت في حياتهم.
انبهرت بالسريالية، وبدأت في تطبيقها على فن التصوير الفوتوغرافي. وارتبطت بصداقة مع رجل الأعمال المصري المهندس عزيز بك علوي.. منذ بداية الثلاثينيات، وتحولت إلى قصة حب، فتزوجا في نيويورك عام 1934 وانتقلت إلى القاهرة لتعيش في مصر حتى عام 1939. عاشت مع علوي بك في فيلا جميلة بحديقة واسعة، لكنهما انفصلا بعد ذلك. .
كانت فترة إقامة ميلر في مصر فترة ذهبية، أعطتها فرصة لتقوم بالتجريب في التصوير. وكانت هناك الآثار الفرعونية، والصحراء ذات الطابع الخاص، ووادي النيل، والفلاحون، وأدوات الزراعة البدائية. وفوق ذلك كله.. زوج غني، ولديه من الوسائل، ما تستطيع به أن تصل إلى كل الأماكن في مصر. وبالإضافة إلى ذلك، كان اهتمامها بالسريالية عظيماً. وفي هذه الفترة، كانت مصر تعج بنشاط سريالي.. فتعرفت على جورج حنين – الشاعر والمثقف الكبير – ورمسيس يونان، وكامل التلمساني، وآيمي نمر وماريا كافديا. وكانت هذه المجموعة تنظم لافتتاح جماعة الفن والحرية. وقامت بتصوير مصر كلها، وفتنت بالصحراء، وقامت بزيارة واحة سيوة مرتين، وصعدت على قمة الهرم الأكبر، وقامت بتصوير ظل الهرم من أعلى.. في صورة نادرة.
وبالرغم من أن ميلر كانت شخصية مهمة في تاريخ فن التصوير الفوتوغرافي، وأنتجت كماً هائلاً من الصور، إلا أن إنتاجها الفني العام عن مصر.. موجود على هامش الكتب والأفلام التي صدرت عنها. وبالرغم من أنها كاتبة متميزة.. إلا أن التصوير العظيم غطى على قدرتها المتميزة في الكتابة.
عادت ميلر إلى لندن من القاهرة.. قبل بداية الحرب العالمية الثانية، وعاشت سنوات الحرب.. التي عملت فيها مراسلة حربية. وكانت الأهوال.. التي رأتها وصورتها تفوق الخيال، وتركت أثراً نفسياً صعباً عليها وعلى قرائها. ويقول الباحثون إن كتابات ميلر أثناء الحرب.. مصحوبة بالصور، فاقت كل الفن الذي أبدعته قبل ذلك. وأجمع المؤرخون على أن ميلر ظاهرة نادرة، وبالرغم من أنها كانت ترتدي ملابس الجنود الواسعة، إلا أن الروج على الشفاه، وخصلة شعرها البارزة.. كانت كافية لإثارة الجنود.
كان عندها فرصة.. أن تكون في الخطوط الأولى في الحرب، وتقوم بتصوير مناظر دامية مرعبة، ودخلت باريس في مقدمة جيش الحلفاء، وصورت كل شيء؛ صورت الأطفال يموتون من الجوع في فيينا، وكذلك إعدام رئيس وزراء المجر. كتبت ملاحظات دقيقة عن الحرب، وعشرات المقالات تصف كتاباتها مع الصور أثناء الحرب، وكان الناس يعجبون بلغتها ومشاعرها الجياشة، وبالطبع.. كانت تواجه أخطاراً كبيرة. قامت بتصوير عملية جراحية في أثناء المعركة.. تُجرى في خيمة، وكان هناك 6 ترابيزات للعمليات.. عليها جرحى، ومجموعة من الطاقم الطبي حول كل ترابيزة.
وتصف باريس بعد تحررها، وفرحة شباب المقاومة، وظهور الموضة، ورائحة البارفان.. فور تحرر المدينة. وصورت القتلى في السجون الألمانية.. في صور بشعة، وصورت شقة إيفا براون عشيقة هتلر.. من الداخل. ثم زارت شقة هتلر في ميونخ، وخلعت ملابسها ونامت في البانيو.. وتم تصويرها في نفس المكان الذي كان يستحم فيه هتلر.
بعد نهاية الحرب، وبسبب الأهوال التي شاهدتها، أصيبت بصدمة عصبية، وتزوجت السير رولاند بنروز – الشاعر والفنان السيريالي والمؤرخ الإنجليزي – واشترى مزرعة اسمها فيرلي في مقاطعة ساسكس في جنوب إنجلترا.
وضعت لي ابنها في عام 1947، وانتقلوا إلى المزرعة عام 1949، وأصبحت المزرعة مكاناً للقاء السيرياليين والفنانين؛ وكان من زوارها بيكاسو، وجون ميرو، وهنري مور، ومالس أرنست؛ وكلهم من كبار الفنانين العالميين، وتحولت لي بالتدريج.. من احتراف التصوير، إلى احتراف الطبيخ ورعاية المزرعة. وقامت بدعوة أهل المنطقة للعمل مع بعضهم البعض، وقامت بعمل وصفات كثيرة للأكل، وعاشت في المزرعة حوالي 30 عاماً.. حتى رحلت عام 1977، وقام ابنها أنتوني بنروز بتحويل المزرعة إلى متحف قائم حتى الآن.
استمرت لي ميلر تحكي وتكتب وتذكر مصر.. كبلد جميل، له طبيعة خلابة، وقالت أنها لا يمكن أن تنسى أيامها في مصر. ونشرت مجلة نيويوركر.. أن لي زارت لي مصر في الستينيات، وزارات عزيز علوي بعد أن فقد ثروته (في الأغلب بسبب التأميمات في ذلك الوقت)، وتزوج خادمة زوجته المصرية السابقة.
(قوم يا مصري مصر دايماً بتناديك)
نقلاً عن «المصري اليوم»