تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

الدين من الزمن الصناعي إلى الزمن الرقمي «1-2»

M.Adam
سمير مرقص 

سمير مرقص

في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، درست تجربة لاهوت التحرير.. التي كانت قد انطلقت في نهاية ستينيات القرن الماضي في أمريكا اللاتينية، من خلال مصادر أساسية كتبها أصحاب التجربة نظرياً وعملياً.. مثل؛ جوستافو جوتيريز، وليوناردو بوف، وأوسكار روميرو – في بلدان أمريكا اللاتينية مثل: البرازيل، والأرجنتين، والبيرو، وتشيلي… إلخ – تلك التجربة.. التي عمل أصحابها على تقديم نموذج لما ينبغي أن يكون عليه الدين بالنسبة للمجتمع عامة، والمجتمعات الفقيرة خاصة. انطلق خطاب لاهوت التحرير.. من نقد رفيع المستوى للواقع الاقتصادي/الاجتماعي للقارة اللاتينية، وقدموا أفكاراً لتحرر الإنسان/المواطن من كل ما يحول دون تطوره، وأنتجوا تفسيرات دينية حول الفقر، والعدالة، والسلام، والحرية، والديمقراطية، والتنمية، والمواطنة، والعنف، والمساواة، والمشاركة السياسية… إلخ.

استنفرت هذه التجربة آنذاك.. علماء الاجتماع السياسي والديني؛ ليس فقط لتحليل الحركية الدينية في أمريكا اللاتينية، بل في كل أنحاء العالم، إذ وجدوا أنفسهم أمام ظاهرة تجاوزت الأسئلة الكلاسيكية لعلم الاجتماع الديني والسياسي.. كما طرحها كارل ماركس، وإميل دوركايم، وماكس فيبر، وغيرهم، التي تمحورت بالأساس حول علاقة الدين بالمجتمع في العموم. وبالطبقات في هذا المجتمع. وبموازين القوة فيه. وكيف يتفاعل الدين مع أنماط الفعل، والمعنى، والعقلنة، والسلطة. 

… تلك الأسئلة التي تم طرحها مع انطلاقة الثورة الصناعية، وتشكل الرأسمالية الصناعية، وانتظام الجسم الطبقي، والدولة القومية، والتمدن، والتحديث. ومن ضمن هؤلاء الذين استنفروا لهذه المعهمة.. سوف نجد بيتر بيرجر، وخوسيه كازانوفا، وبرايان تيرنر، وغيرهم.

وقد ارتبطت إسهاماتهم – بدرجات متفاوتة – بالتحولات المجتمعية التي شهدها العالم منذ ستينيات القرن الماضي.. حتى مطلع الألفية الثالثة، وهي مرحلة عرف فيها العالم تحولاً نوعياً؛ تمثل في الانتقال من المجتمع الصناعي.. إلى المجتمع ما بعد الصناعي، والعولمة، والطفرة التكنولوجية، وثورتي المعلومات والاتصالات. لذا تنوعت مقاربات علماء الموجة الثانية للاجتماع الديني والسياسي – أو بالأحرى سوسيولوجيا الدين والسياسة – على النحو التالي: درس «بيرجر».. كيف يقوم الدين بإنتاج المعنى، ويوجه الفعل للتفاعل إيجاباً أو سلباً مع السلطة. وجاءت مقاربة «كازانوفا» راصدة الحضور الفاعل للدين في المجال العام السياسي والمدني والمجتمع المدني. أما «تيرنر» فقد قدم إسهامات متعددة ومركبة.. حول تفاعل الدين مع الدولة والشرعية، والمواطنة، والتنوع، والجسد، والعلمنة، والعولمة، والتعددية… إلخ. (ومن الأعمال المرجعية في هذا السياق نذكر لبيتر برجر.. «الغطاء المقدس»، و«نزع سحر العالم/إلغاء العلمنة»، ولخوسيه كازانوفا.. «الأديان العامة في العالم الحديث»، ولبريان تيرنر.. «الدين والمجتمع الحديث: المواطنة والعلمانية والدولة».

إلا أنه ومع انطلاقة القرن الحادي والعشرين، طرأت على مجتمعات/دول العالم.. تحولات جذرية؛ حيث احتلت وسائل الاتصال الرقمية، والشبكات والمنصات، ومنظومة الذكاء الاصطناعي.. دوراً متزايداً في إنتاج العلاقات والهويات والمعرفة. وهنا صعد تيار بحثي، يبلوره جيل جديد من الباحثين – لا تنتشر أعمالهم في ثقافتنا العربية حتى الآن – نقلوا البحث حول الدين.. إلى البيئة الرقمية. قدم دليل أوكسفورد للدين الرقمي The Oxford Handbook of Digital Religion – الصادر في 2022 – هذا التيار البحثي الجديد؛ حيث قدم تعريفاً لمفهوم «الدين الرقمي».. بأنه الممارسة والفهم المعاصران للدين، باعتباره في السياقات الرقمية المختلفة؛ التي لا تقتصر على الإنترنت، وإنما تشمل أيضاً التقنيات الرقمية المتنوعة العديدة.. مثل الهواتف المحمولة، والأجهزة الرقمية القابلة للارتداء، والواقع الافتراضي، والذكاء الاصطناعي. 

في هذا المقام، قدمت الموسوعة عرضاً بحثياً تحليلياً شاملاً للدين.. كما يُرى ويُمارس، عبر مختلف المنصات والفضاءات الثقافية، التي أوجدتها التكنولوجيا الرقمية، ولم تعد افتراضية بعد. وإلى الكيفية التي تتقاطع بها هذه السياقات، ويتفاعل بعضها مع بعض.

في هذا المقام، برزت – على مائدة البحث – الكثير من القضايا الجديدة والمتميزة مثل.. الدين الرقمي، والفضاءات الرقمية، والجماعات الدينية، والدين الرقمي والممارسة والتواصل، والأديان والهوية والجندر (التنوع الجنسي) والوسائط الرقمية، والشعبوية الدينية في العصر الرقمي، والإعلام والدين والممارسات الطقسية والفضاءات الرقمية، والدين والمنصات الرقمية وأشكال السلطة.. المرتبطة بالخوارزميات والذكاء الاصطناعي، الإعلام الرقمي والسلطة الدينية… إلخ. وانطلق الجيل الجديد من الباحثين مثل.. هايدي كامبل، وستيوارت هوفر، وبولين هوب تشيونغ، وكنوت لوندبي، وميا لوفهايم… إلخ، ينقلون النقاش حول الدين من الزمن الصناعي وما بعد الصناعي.. إلى الزمن الرقمي، أي إلى بيئة اجتماعية واتصالية مختلفة جذرياً.

لم يعد السؤال المركزي هو فقط: ماذا يفعل الدين في المجتمع الحديث؟ أو كيف يعيد إنتاج حضوره في المجال العام؟ وإنما أصبح: كيف تتغير الممارسة الدينية ذاتها.. عندما تنتقل إلى فضاء شبكي، تتداخل فيه الحياة الواقعية والرقمية؟ وقد كشفت هذه المقاربة.. أن الإنترنت ليس مجرد أداة جديدة تستخدمها المؤسسات/الجماعات الدينية، بل بيئة اجتماعية تعيد تشكيل مفاهيم الجماعة، والانتماء والهوية والسلطة، والمشاركة الدينية.

ومن هنا، انتقل الاهتمام من المؤسسة الدينية.. بوصفها المصدر الرئيسي للمعرفة والسلطة، إلى تعدد الفاعلين الدينيين. ومن الجماعة المستقرة مكانياً.. إلى الجماعة الشبكية المتعددة المواقع. ومن المتلقي إلى المستخدم المشارك والمنتج للمحتوى. كما أعادت دراسات «التوسط الإعلامي للدين».. النظر في العلاقة بين الإعلام والدين؛ موضحة أن وسائل الاتصال.. لا تنقل الرسالة الدينية فحسب، وإنما تؤثر في شكلها، وإيقاعها وانتشارها، وطرق استقبالها.

ومع كامبل خصوصاً، تبلور مفهوم الدين الرقمي.. الذي يتجاوز ثنائية.. الدين على الإنترنت، والدين خارج الإنترنت؛ ليرى أن المجالين أصبحا متداخلين في الحياة الدينية اليومية. وفتحت هذه النقلة آفاقاً جديدة لدراسة السلطة الدينية.. المتفاوض عليها، والهوية الدينية المرنة، والمجتمعات الشبكية، والطقوس الرقمية، والفاعلين الرقميين، ثم المنصات والخوارزميات.. بوصفها عناصر جديدة، في تنظيم الظهور والوصول والانتباه. وبذلك انتقلت سوسيولوجيا الدين.. من دراسة الدين داخل المجتمع الصناعي، ثم داخل المجتمع العولمي والمجال العام، إلى دراسة الدين داخل البيئة الرقمية.. التي بدأت تغير شروط إنتاج المعرفة والسلطة والانتماء نفسها، ومن ثم سؤال علم الاجتماع الديني والسياسي.

وبعد، لم يعد التحول في دراسة الدين.. مجرد انتقال من المؤسسة إلى الشبكة. أو من الكنيسة والمسجد إلى الشاشة الرقمية. وإنما أصبح انتقالاً في شروط إنتاج المعرفة الدينية، والسلطة، والانتماء، والهوية، والممارسة. بلغة أخرى.. دراسة تفاعل الدين مع البيئة الشبكية والرقمية عموماً، وفي القلب منها البيئة الخوارزمية.. لمنظومة الذكاء الاصطناعي خصوصاً… نتابع.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة