محمد أبوالغار
يعتقد البعض أن الدول الديكتاتورية.. تقوم بتشجيع كرة القدم، حتى تنشغل الشعوب بها، وتنسى موضوع الديمقراطية والقهر والظلم. هذا غير صحيح، لأن هناك دولاً ديمقراطية – مثل إنجلترا – يعشق شعبها الكرة وتمتلئ الملاعب بالجمهور.
السؤال الكبير هو: لماذا تحظى هذه اللعبة بهذه الشعبية الفائقة؟ السبب الأول: هو أن هذه اللعبة قد شارك فيها تقريباً كل مواطن في العالم؛ مثل الطفل الذي كان يشوط الطوبة برجله، أو يقذف كرة، أو يلعب في تقسيمة صغيرة. هذه اللعبة لا تحتاج إلى ملعب، فالناس تلعب في البيوت وفي الحدائق وفي الصحراء وفي الشوارع. هذه اللعبة لا يلزمها أجهزة ولا استعدادات مكلفة. في أمريكا الجنوبية يلعبون كرة القدم حفاة في الشارع.. بدون لبس معين ولا حتى كرة حقيقية.
المصريون يلعبون بالكرة الشراب.. وهي كرة مصنعة في البيت من زوج جوارب قديمة وقطع قماش، أو فانلة قديمة وقطع إسفنج، كان الأطفال والشباب يلعبون بها في الشارع.. حين كان ذلك ممكناً قبل زحام السيارات. ونحن طلبة في الإبراهيمية الثانوية في جاردن سيتي، كنا نلعب بكرة تنس صغيرة كرة القدم في الشارع.. بين مدرستنا ومدرسة المير دي ديو، وكنا نضع شنطتين على الأرض.. كعلامة للمرمى، كانت السيارات تمر في الشارع نادراً. في الصيف كنت أقضي أسبوعاً في بيت جدي في شبين الكوم، وكنت – مع الأقارب – نلعب كرة شراب في شارع جانبي. لعب الكرة في الشارع – الذي كان حدثاً طبيعياً – أصبح مستحيلاً مع كثرة السيارات.
زرت زنزبار من عدة أشهر، وكان مئات الأطفال والشباب يلعبون الكرة على الشاطئ. فكرت كثيراً.. لماذا لم تنتشر كرة القدم في الولايات المتحدة. أعتقد أن السبب، هو أن الأمريكان يريدون لعبة فيها أهداف كثيرة.. مثل كرة السلة والبيسبول، أما كرة القدم – التي قد تنتهي فيها المباراة بدون أهداف – فهو أمر يسبب لهم الضجر. من أهم أسباب انتشار اللعبة.. أن نتيجة أية مباراة، لا يمكن أن تكون مضمونة للفريق الأقوى.. كما هو الحال في كرة السلة مثلاً. شاهدنا مباريات يفوز فيها فريق ضعيف، على فريق قوي جداً.. سيطر على المباراة. ولذا، هناك دائماً إثارة شديدة في مباريات الكرة، لأنه لا ضمان للفوز، مهما كنت الأقوى. التوفيق والحظ يلعبان دوراً في النتيجة.
أحد أسباب الانتشار عالمياً، أن فرصة الدول الفقيرة.. كانت متساوية مع فرق الدول الغنية؛ لأن النتائج كانت تعتمد على مهارة اللاعبين؛ فكانت الأرجنتين والبرازيل وبعض دول أمريكا اللاتينية – مثل أوروجواي وشيلي – تحقق بطولات كبيرة. مع دخول التكنولوجيا في كرة القدم.. من حيث طرق التدريب، وإدخال تكتيكات مختلفة في لعب الكرة، حدث تغيير في مواقع الدول؛ فأصبحت دول أوروبا المتقدمة – مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا – تفوز كثيراً بكأس العالم بجانب دول أمريكا الجنوبية.
قواعد كرة القدم الحديثة.. بدأت في جامعة كمبردج عام 1848. أول قانون لكرة القدم، وأول اتحاد.. كان إنجليزياً، وتكوَّن عام 1863، وبدأ تنظيم مسابقة الدوري الإنجليزي عام 1888، وكانت أول مباراة دولية بين إنجلترا وأسكتلندا عام 1872. تكوَّنت المنظمة العالمية لكرة القدم (الفيفا) عام 1904 في باريس، وبالتدريج انضم لها معظم دول العالم، وبدأت في تنظيم بطولات دولية قارية، ثم كأس العالم. ونقحت بعض قواعد اللعبة تدريجياً. إنجلترا – التي وضعت قواعد اللعبة – بها أهم وأقوى دوريات العالم، لم تفز بكأس العالم إلا مرة واحدة في عام 1966.
الفيفا مؤسسة غنية جداً، ومفروض أنها مؤسسة غير هادفة للربح، إلا أن الفساد والسرقة والرشاوى.. تغلغلت في هذه المؤسسة.. حتى تمت محاكمة دولية للمؤسسة، وتم تنحية رئيسها وبعض الأعضاء. عندما تضخمت الفيفا، تكونت مؤسسات قارية تابعة لها، ولكن عندها استقلال ذاتي؛ مثل الكاف – المؤسسة الأفريقية – وغيرها في أوروبا وبقية أنحاء العالم. هذه المؤسسات القارية.. ليست بعيدة عن الفساد. ومنذ سنوات قليلة، اثنان من رؤساء الكاف وبعض الأعضاء عوقبوا بسبب الفساد.
كان اللاعبون حتى انتهاء الحرب العالمية الثانية.. هواة، وبدأ الاحتراف في ستينيات القرن العشرين، وبيعيت الأندية الكبرى إلى مليارديرات، أصبحوا يمتلكون نوادي إنجليزية أو إسبانية أو إيطالية، وارتفع ثمن شراء اللاعبين.. حتى وصل ثمن بعض اللاعبين 200 مليون دولار، وأصبح اللاعبون يتقاضون كل أسبوع عشرات الآلاف من الدولارات. أصبح إيراد كرة القدم من الجمهور جزءاً صغيراً.. بالرغم من ارتفاع ثمن التذاكر، فقد أصبح معظم الدخل من البث التليفزيوني والإعلانات في التليفزيون، وعلى الملابس والأحذية.. وكلها تدر مئات الملايين. أصبح كل لاعب كرة قدم.. له وكيل يرعى أحواله، وينظم انتقاله، ويشرف على تعاقداته، ويقوم باستثمار أمواله.
عندما كنت في منتصف العشرينيات من العمر، تقرَّر تكليفي كأخصائي أمراض نساء شاب.. في مستشفى الطيران بالعباسية، لأعالج عائلات ضباط الطيران. وكان قبل تأميمه.. يسمى المستشفى الفرنساوي. في هذه الفترة، كان المشير عبد الحكيم عامر رئيساً لاتحاد كرة القدم، وجميع اللاعبين والحكام المشهورين يعالجون في مستشفى الطيران، وهناك تعرفت على الحكم الدولي مصطفى كامل محمود.. الذي سألني إذا كنت قد زاولت كرة القدم، فقلت إنني كنت ألعب في كلية الطب، فطلب مني شهادة بذلك، وقيد اسمي لأكون حكماً لكرة القدم تحت التمرين.. بعد أن أخوض امتحاناً في قانون الكرة. وكنت أشترك.. كحامل الراية، أو كحكم لمباريات الناشئين. وعندما تصعّدتُ قليلاً، وقفت كحامل راية في مباراة للكبار.. حدث فيها عنف وشتائم رهيبة للحكم، وبعد هذه المباراة قررت الاعتزال.
هذه حكايتي مع كرة القدم، التي ما زلت أشاهد مبارياتها بكل حب وتشوق. وكما قال سقراط – الطبيب وكابتن البرازيل – حين فاز بكأس العالم: ليتنا نتمكن من توجيه الحماس الذي نبذله في كرة القدم، نحو قضايا تفيد البشرية.
… كلنا – أطفالُ وكبارٌ، بيضٌ أو سودٌ، طوالٌ وقصارٌ – نجري بحماسة وراء الكرة. ليتنا.. بنفس الفلسفة والحماس، ندافع عن قضايا الإنسانية العظيمة.
قوم يا مصري مصر دايماً بتناديك.
نقلاً عن «المصري اليوم»