تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

قراءة أولية لدلالات التفاهم الأمريكي-الإيراني

M.Adam
د. أحمد يوسف أحمد  

د. أحمد يوسف أحمد

هي قراءة أولية لسببين رئيسيين؛ أولهما: أن النص الرسمي لمذكرة التفاهم لم يُعلن بعد، وهناك تسريبات متعددة متطابقة، غير أن الجزم بشأن صحتها ليس مُستحَباً؛ خاصة بالنظر للتضارب غير المسبوق.. في التصريحات والتفسيرات بين الجانبين الأمريكي والإيراني، منذ بدء المفاوضات. والسبب الثاني: أن نهج مذكرة التفاهم قائم على المرحلية؛ بحيث تُنفَّذ فوراً الالتزامات العاجلة.. وعلى رأسها فتح مضيق هرمز، وفك الحصار عن المواني الإيرانية. بينما تُرَحَّل القضايا الشائكة، لمفاوضات قُدرت لها مدة أولية بـ 60  يوماً.. لكنها قابلة للتمديد. وعلى رأس هذه القضايا.. البرنامج النووي الإيراني وكل ما يتعلق به، ووضع المجموعات المتحالفة مع إيران من غير الدول؛ وأشهرها «حزب الله» في لبنان، وجماعة الحوثيين في اليمن، وبعض التنظيمات المسلحة في العراق. 

وبناءً على ما سيتم التوصل إليه.. بشأن هذه القضايا وغيرها – إذا نجحت مفاوضات الـ 60 يوماً – سوف يمكننا تقييم التسوية الأمريكية-الإيرانية، وما إذا كانت متوازنة.. أم تميل لصالح طرف دون آخر. ورغم كل هذه التحفظات.. على خطوة التوصل لمذكرة التفاهم، فإنه لا شك أننا نستطيع – من خلال متابعتنا لمجرى الصراع الأمريكي-الإسرائيلي ضد إيران – أن نتوصل لبعض الملاحظات العامة المهمة.. حول هذا الصراع؛، وبالذات جولته الأخيرة التي بدأت في 28 فبراير الماضي.

وفي تقديري، أن أهم هذه الملاحظات.. يتعلق بالسمة التوازنية العامة، التي لا أستمدها من النصوص المُسرَّبة عن الاتفاق، لأني لا أملك الجزم بصحتها أو دقتها، ولكني أبنيها على مجرد واقعة الاتفاق بين الرئيس الأمريكي والنظام الإيراني.. الذي بدأت الحرب بنية لا شك فيها لإسقاطه – حتى ولو لم تذكر البيانات الرسمية الأمريكية ذلك – فكلنا يذكر دعوة ترامب المتظاهرين الإيرانيين – المحتجين والمعارضين للنظام – للاستيلاء على المؤسسات، وتشجيعه لهم بقوله.. إن المساعدات في الطريق إليهم بالفعل. ومحاولات تحريك أكراد إيران المسلحين – المقيمين في العراق – ضد إيران، لولا الاعتراض التركي.. الحاسم من حيث المبدأ، على هذا العمل. 

أما إسرائيل – شريكة ترامب في الحرب – فقد كانت دوائرها الرسمية وغير الرسمية أكثر من صريحة.. في الإعراب عن الرغبة في إسقاط النظام الإيراني. ويعني هذا، أن الدلالة الأولى الأكيدة لمذكرة التفاهم المُقدَّر لها أن تُوقَّع مجددا!! هي خطأ الحسابات، وفشل الرهانات.. على إسقاط النظام الإيراني. 

وخطورة هذه الدلالة، أنها تعني أن دروس الخبرة التاريخية.. لا تعني ولا تساوي شيئاً بالنسبة لصانع القرار الأمريكي؛ فقد كرر الرئيس جورج بوش الابن.. خطأ التدخل في ڤيتنام، بغزو أفغانستان عام 2001، فجاءت الهزيمة كما حدث تاريخيا. والطريف، أن ترامب.. قد صرَّح – غير مرة – بأنه نجح في تغيير النظام في إيران بالفعل، وأنه أصبح يوجد فيها – بعد الضربة الأمريكية-الإسرائيلية، التي أودت بحياة المرشد وصفوة من القيادات السياسية والعسكرية – إيرانيون جيدون.. يرغبون بشدة في اتفاق معه، بل ويتسولون هذا الاتفاق، وهو ما لم يقم عليه دليل موثوق واحد. بل إن العكس هو الصحيح، فلم يبدُ على المفاوض الإيراني – في أي وقت – اللهفة على إنهاء التفاوض. والطريف، أن ثمة احتمالاً في أن يكون ترامب ونتنياهو.. قد أحدثا بالفعل تغييراً في نظامها، ولكن باتجاه مزيد من التشدد؛ ربما لاختفاء عناصر معتدلة رئيسية في الحكم.. اغتالتها ضربة ترامب-نتنياهو، وهو ما لوحظ من سلوك المفاوض الإيراني عموماً، وكذلك من نموذج الضربات الإيرانية لدول مجلس التعاون.

غير أن سمة التوازن في المذكرة، لا تُستمد فقط من اتفاق ترامب مع النظام – الذي حرَّض مع إسرائيل على إسقاطه علناً – وإنما مما يبدو واضحاً.. من أن أيران قد فرضت رؤيتها المعلنة، على هيكل الاتفاق. وأول عناصر هذه الرؤية.. فكرة المرحلية؛ بحيث يتم الاتفاق الفوري على القضايا الملحة.. وهي فتح مضيق هرمز، وفك الحصار البحري عن المواني الإيرانية. ويُلاحظ أن هذه قضايا.. لا علاقة لها بجوهر الصراع؛ لأنها ترتبت على العدوان على إيران، فقد ردت عليه – ضمن خطوات أخرى – بإغلاق المضيق في وجه من تريد، كما فرضت الولايات المتحدة حصارها البحري على إيران، بعد أن عجزت القوة العسكرية.. عن حسم الصراع. 

أما القضايا الجوهرية – وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني – فتُرَحَّل للمفاوضات.. التي ستستغرق 60 يوماً على الأقل، دون أي التزام محدد من قِبَل إيران – وفقاً للنصوص المُسرَّبة – إلا بالتعهد.. بأنها لن تنتج أسلحة نووية أبداً. 

أما العنصر الثاني المهم.. في الرؤية الإيرانية المعلنة، فهو ضرورة تضمين الملف اللبناني في مذكرة التفاهم، وقد كان لها ما أرادت-  كما بدا واضحاً من إعلان ترامب مطلع الشهر الحالي توصله لوقف إطلاق نار بين «حزب الله» وإسرائيل – وكذلك من الإجماع على أن وقف إطلاق النار.. سيشمل الجبهة اللبنانية، حتى إن الرئيس اللبناني – الذي كان يطالب إيران برفع يدها عن لبنان – رحب بمذكرة التفاهم، واعتبرها تطوراً إيجابياً بالنسبة للملف اللبناني.

ويجب أن يكون واضحاً أن التوازن البادي على مذكرة التفاهم.. لا يضمن وصولها الآمن لاتفاق نهائي؛ سواء لأن تفاصيل الملفات المهمة المؤجلة لمفاوضات الـ 60 يوماً، يمكن أن تُمثل حقول ألغام تُفجر الاتفاق. أو لأن إسرائيل لا يمكن أن تقبل التزاماً.. لا يحقق لها كل أهدافها في لبنان؛ وهي بالتأكيد لم تتحقق بالكامل بعد. ولذلك، فإن نتنياهو لن يتردد في تخريب الاتفاق.. لإنقاذ مستقبله السياسي، وقد أصبحنا على بُعد شهور قليلة من الانتخابات، وهو متهم من معارضيه.. بأنه حول إسرائيل لجمهورية موز.. بسبب تبعيته لترامب، وأنه دخل الحرب شريكاً له.. فتركه على قارعة الطريق. وعموماً فإن قضية العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية، وما يبدو من شروخ أصابتها في الآونة الأخيرة، تحتاج منا اهتماماً علمياً وسياسياً فائقاً.. لأهميتها لحسن إدارة الصراع الجاري في الشرق الأوسط، وصون أمن مصر.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة