سمير مرقص
«إمبراطوريات المستقبل.. هي إمبراطوريات العقل»؛ بهذه العبارة استهل الباحث الشاب النابه المصري الأمريكي «محمد سليمان» مقدمة كتابه البالغ الأهمية: «غرب آسيا: استراتيجية أمريكية كبرى في الشرق الأوسط A New American Grand Strategy in the Middle East»؛ وهي عبارة مستعارة من السياسي البريطاني الداهية.. السير ونستون تشرشل (1874 ــ 1965)، كان قد ألقاها في خطاب شهير في ذروة الحرب العالمية الثانية، واقتراب حسمها لمصلحة الحلفاء، وكان يشير بها إلى أن مستقبل العالم بعد الحرب سوف تكون فيه الغلبة ليس فقط للأقوى عسكرياً، بل للأكثر تفوقاً في المعرفة والعلم والتعليم.
وتشير الدلالة الرمزية لمقولة «تشرشل».. إلى أن باحثنا الشاب ينطلق – في أطروحته الاستراتيجية – من رؤية راصدة للعالم الجديد قيد التشكل.. من جهة، وللصورة التي يجب أن يكون عليها الشرق الأوسط في ظل هذا العالم الجديد.. من جهة أخرى؛ إذ إن مفهوم الشرق الأوسط لن يكون كافياً لاستيعاب التحولات الجيوسياسية التي سيؤول إليها العالم، فالخريطة الشرق أوسطية.. التي رسمت في القرن العشرين بيد الأوروبيين ــ بالأساس ــ ومن ثم عرفت، حسب «سليمان»، بالخريطة الأوروبية European map؛ سوف تتعرض لتغيرات جذرية، فالجغرافيا السياسية للقرن الحادي والعشرين – حسب «سليمان» – سوف «تتشكل بفعل الديناميات العديدة النشطة على الحافة الأوراسية»، ومن ثم سوف يتسع المدى الجيوسياسي للشرق الأوسط لكي يشمل جنوب آسيا، وعليه «تكتسب خريطة غرب آسيا أهمية حاسمة». ولكن ما هي خريطة غرب آسيا التي ستحل محل مفهوم الشرق الأوسط؟
يجيب «محمد سليمان» بأنها «الفضاء الاستراتيجي الممتد من شرق المتوسط والبحر الأحمر، حتى المحيط الهندي وجنوب آسيا»، ويؤكد الباحث أن هذا التحول.. هو نتاج تفكك النظام الإقليمي الشرق أوسطي الأوروبي التاريخي، الذي تعرض للكثير منذ نهاية الحرب الباردة إلى العديد من الحروب.. بداية بالحرب الإيرانية-العراقية، مروراً بغزو الكويت، فحرب العراق.. وحتى للحروب الحالية، ما استدعى القوى القطبية الصاعدة – مع مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين – إلى مراجعة شاملة للخريطة الأوروبية التاريخية للشرق الأوسط. ويؤكد الباحث – في هذا المقام – أن الأمر ليس تصويباً لغوياً، بل تحول في الرؤية الاستراتيجية للإقليم.. فرضته الأزمات المتنوعة، والصراعات المتأججة.. على مدى عقود، أدت إلى إحداث تحولات جيوسياسية جذرية، ما عجل «بنهاية الشرق الأوسط End of Middle East».
يفصل «سليمان» أطروحته التي يتبنى فيها ــ ويدعو السياسات الأمريكية إلى تبنيها ــ مسمى «غرب آسيا» كمفهوم جيوسياسي.. بديلاً لمسمى الشرق الأوسط، وفي كتابه عبر أربعة أجزاء كما يلي:
الجزء الأول: الإطار الاستراتيجي؛ في هذا الجزء يستعرض العلاقة التاريخية بين أمريكا والشرق الأوسط، فلقد لعب الشرق الأوسط دوراً كبيراً في الفكر الاستراتيجي الأمريكي خاصة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إلا أن هذا الدور افتقد إلى بلورة رؤية شاملة وبناء معمار نظامي شامل للإقليم مثلما حدث في أقاليم استراتيجية أخرى، ومن ثم تعرض مبدأ توازن القوى «الكيسنجري» – الذي تم تبنيه عقب حرب 1973 – إلى الإضعاف بسبب الحروب الإسرائيلية التي لم تتوقف من جهة، والتوترات القطرية الداخلية من جهة أخرى، إلا أن المحطتين الأبرز.. اللتين فاقمتا أوضاع الإقليم: الحرب الأمريكية على العراق في 2003، وما ترتب عليها من تدمير الدولة العراقية. ثم انهيار النظام في سوريا؛ ما أدى إلى صعود إقليمي لتركيا وإيران، والمحصلة – كما يرى الباحث – أن «الشرق الأوسط التاريخي» قد بلغ نهايته، وواكب هذه النهاية.. أن النظام العالمي شهد توازناً جديداً للقوة، لذا بات على الولايات المتحدة الأمريكية أن تنهج – إذا أرادت الحفاظ على تأثيرها في الإقليم – نهجاً جديداً.
وفي الجزء الثاني المعنون: صعود غرب آسيا، يرصد الباحث كيف أن الخليج العربي لم يعد مجرد منطقة نفطية فقط، بل صار مركزاً دولياً مالياً وتكنولوجياً واستثمارياً ضخماً.. في قطاعات متنوعة غير نفطية، رافق هذا النمو توثيق الروابط بين دول الخليج وآسيا؛ ما أسهم في «آسينة الشرق الأوسط Asianization of the Middle East».
في نفس الوقت، قابل هذه «الآسينة» لعب الخليج دور حلقة الوصل بين آسيا وأفريقيا، إضافة للعلاقات الخليجية-الأوراسية، كما يطرح الباحث في هذا الجزء ما أطلق عليه: معادلة جديدة للصراع العربي الإسرائيلي، وذلك بالانخراط في شراكات وظيفية من خلال علاقات تعددية بين «أطراف مصغرة Minilateralism»؛ وفي هذا المقام يطرح الباحث حلاً للمسألة الفلسطينية.. يقوم على الأخذ بحل الدولتين، وفضاء جيو: سياسي/اقتصادي واحد.
في ضوء ما سبق يأتي الجزء الثالث المعنون: إعادة تعريف الشرق الأوسط؛ ليطرح إعادة صياغة الإقليم باعتباره «فضاءً أوراسياً-هندياً-متوسطياً» يقوم على الربط الاقتصادي الحضاري، وينطلق تشكيل الإقليم تحت مسمى غرب آسيا.. من دمج الشرق الأوسط القديم ــ بصياغته الجيوسياسية الممتدة ــ مع الهند.. كفاعل رئيسي في غرب آسيا (اقتصادي وتكنولوجي وحضاري هندي إبراهامي)، والحلف غير الرسمي الأوراسي، وتعظيم أهمية الممر «السويسي» – أو قناة السويس – كمنطقة استثمارية/اقتصادية استراتيجية، تجعل من السواحل المصرية – التي تصل بينها القناة – فاعلاً في التجارة الدولية.
يخلص الباحث في الجزء الرابع والأخير من الكتاب المعنون: بناء النظام في غرب آسيا Order – Building in West Asia؛ وهو جزء يحمل رؤية مركبة للفضاء الاستراتيجي الجديد، إلى أن صياغة «نظام غرب آسيوي جديد»؛ يقوم على بناء أنظمة قوية ــ لا بناء دول ــ تعتمد على ثلاثة تحالفات متشابكة كما يلي: أولاً: تحالف جيوسياسي، وثانياً: تحالف أمني/عسكري، وثالثاً: تحالف تكنولوجي/اقتصادي، وعليه تغدو الساحة «الغرب آسيوية».. فضاءً جيوسياسياً لإعادة توزيع القوى العالمية في القرن الحادي والعشرين، وجسراً بين أوروبا والهندي والهادئ.
وبعد، لا شك في أن الصيغة الأوروبية – التي هندست الشرق الأوسط بواسطة «سايكس-بيكو»، قبل 110 سنوات (1916 ــ 2026).. على أساس التقسيم/التقاسم – قد فقدت الصلاحية وأودت به إلى «التشظي/التناهب» (راجع كتابنا: الحماية والعقاب: الغرب والشرق الأوسط والمسألة الدينية، ومجموعة مقالاتنا حول الشرق الأوسط).
والسؤال.. هل يمكن أن تصمد الاستراتيجية الأمريكية المقترحة: «الغرب آسيوية» أمام الديناميات القطبية والإقليمية المتنافسة «إمبريالياً».. من جانب، وتتجاوز تداعيات الحرب المشتركة الأمريكية-الإسرائيلية الراهنة؟ من جانب آخر.
نقلاً عن «الأهرام»