مودي حكيم
مع مطلع هذا العام (2026)، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي قوة مؤثرة بشكل عميق.. في توجيه سلوكيات وعقول وأنظمة حياة البشر، وتعمل كقوة ناعمة ذات تأثير كبير. تستمر هذه المنصات في تشكيل عقل المجتمعات، وإدارة التفاعلات اليومية، بل وتطور بعضها.. ليكون مخصصاً للذكاء الاصطناعي بعيداً عن البشر، وتتحكم في تشكيل الوعي وتوجيه العقول.. لأكثر من 5.66 مليار مستخدم على سطح الأرض، أي 68.7٪ من إجمالي سكان العالم، بالإضافة لتوجيه الرأي العام والتأثير على أنظمة الحكم، والتحكم الاجتماعي بمشاركة الأفكار والمعلومات وتشكيل التوجهات الجماعية.
ومعها، أصبح التعامل مع منصات التواصل الاجتماعي صعباً للغاية.. منصات باتت قادرة على قراءة أفكارك؛ فبمجرد الإعجاب بتعليق ما، أو من باب الفضول شاركت، وتفاعلت مع إعلان أو منشور.. من باب العلم بالشيء، يقترح عليك إنستجرام أو فيسبوك.. إعلاناً لشيء فكَّرت فيه للتوِّ، فكَّرت فيه فقط، ولم تبحث عنه على الإنترنت على الإطلاق.
تتكرر هذه الحادثة مع مستخدمين كثر، وتثير لديهم «رعباً».. من كون تلك المنصَّات باتت.. كأنها قادرة على قراءة أفكارهم، لكن الأمر ليس غريباً تماماً، وليس عصياً على التفسير. فعندما تتفاعل مع أي منصة كفيسبوك أو جوجل – على سبيل المثال – عن طريق الإعجاب بالمنشورات، أو التعليق، أو مشاركة المحتوى، أو حتى مجرد مرورك على الصفحة الرئيسية للتطبيق، فإن المنصَّة تجمع باستمرار بيانات عن سلوكك وتفضيلاتك، وهذا ما يُسمَّى.. بـ«الفائض السلوكي»، الذي يُستخرج غالباً من «قمامة» بياناتنا على الإنترنت.
هذه البيانات – التي نظنُّها ضائعة أو غير موظَّفة – هي في الواقع «دجاجة تبيض ذهباً».. بالنسبة للمنصَّات التجارية. تُستخدم هذه البيانات – بواسطة خوارزميات الإنترنت – لإنشاء ملف تعريف مفصَّل عنك.. باستخراج بيانات من تفاعلاتك واهتماماتك وعاداتك وعلاقاتك، يمكن للمعلنين وأي جهات أخرى – بعد ذلك – الدفع للمنصات.. لاستهدافك شخصياً بإعلانات مخصَّصة؛ بناء على هذه المعلومات، مما يزيد من احتمالية تفاعلك مع محتواهم، مرَّةً بعد أخرى.. فتستهدفك بشكلٍ أفضل، لقد تعدَّت مهمَّتها الأساسية حتى أصبحت تتسم – بسبب سطوتها الراهنة، وقوَّتها التنبُّئية – بصفات «ميتافيزيقية».. إن جاز التعبير؛ إذ باتت تشبَّه بكونها «آلهة معاصرة». فنحن لا نراها، ولا نعرف ماهيتها بالضبط، لكنها – مع ذلك – قادرة على التلاعب برغباتنا، والتحكُّم بمصائرنا بطريقة أو بأخرى. هذه العملية، هي ما تشير إليه الأكاديمية والباحثة الأمريكية شوشانا زوبوف.. على أنه تسليع البيانات السلوكية؛ في تحليلها لما تسمّيه بـ«رأسمالية المراقبة».
وبات تحت تصرُّف تلك الخوارزميات.. ملايين البيانات الشخصية، التي تُمكِّنها من توقُّع تصرُّفاتنا ورغباتنا، وتأطيرها وفقاً لما يناسب المعلنين. لذلك فإن عمالقة الويب – مثل جوجل وأبل وميتا وأمازون ومايكروسوفت – أصبحوا «مرتزقة الشخصية»؛ أي أنهم يرتزقون على التجربة الفردية لكل منَّا، والبيانات التي نستخدمها، والأسلوب الذي نكتب به من علامات التعجب، أو نقاط الحذف.. في نهاية الفقرات. قد لا ننتبه إلى قيمة هذه البيانات، لكن الخوارزميات لا تستخدمها.. لتحسين المنتجات والخدمات فحسب، بل لإنتاج التنبؤ الذي أصبح أساساً لسوق الإعلانات الجديدة على المنصَّات.
تصف «زوبوف» مفهوم «رأسمالية المراقبة».. كشكلٍ جديدٍ من أشكال الرأسمالية، التي تحقق الربح من البيانات الشخصية – المجموعة من خلال مراقبة أنشطة الأفراد عبر الإنترنت – وتتعامل مع التجربة الإنسانية.. بكونها «مادة خام»، يجب ترجمتها إلى بيانات سلوكية.. تماماً مثلما وضعت الرأسمالية الصناعية يدها على الطبيعة، أو كما وضع مجتمع الاستهلاك – بعد الحرب العالمية الثانية – يده على رغبات الأفراد، تحتل رأسمالية المراقبة آخر المجالات.. التي بقيت حتى وقت قريب «خارج آلة الاستغلال من أجل تحقيق الربح»، حتى الوقت الضائع للمستخدمين – على منصَّات التواصل الاجتماعي – أصبح يمثِّل منجم ذهب للشركات التجارية.
تقول الباحثة الأمريكية: «هذا هو الفائض الذي يجمعونه بعد ذلك.. لقيمته التنبئية، ويستفيدون منه لإنشاء منتجات التنبؤ تلك، وكل هذا يحدث من دون إذننا، ومن دون علمنا.. إنه يحدث بطريقة مصمَّمة لتجاوز وعينا، إنه يحدث بطريقة مصمَّمة لإبقائنا جاهلين»، عبر تقديمك تفاصيل بهذا القدر من الواقعية، سيسمح ملفُّك الشخصي للخوارزميات.. أن تقدِّم لك محتوى قادراً على تحفيزك، واستمالتك بالطريقة المناسبة، وسيتحسَّن ذلك مرةً بعد أخرى، ستقترح عليك منتجات ترغب بشرائها، أو حتى شخصيات قد تفضِّل التصويت لها في الانتخابات، إضافة إلى محاصرتك – خلال النقاشات – في ما بات يُسمَّى بـ«الفقاعة المعرفية»؛ حيث يقدِّم لك جانب السردية التي تميل إلى تصديقها، أو الآراء التي تناسب قناعاتك فقط.
وإذا فكرت في التواصل مع الشركة.. للمطالبة بالبيانات التي لديهم عنك، أو مقاضاتهم. ستجد البيانات التي سيقدِّمونها لك.. هي البيانات التي قدَّمتها لهم بالفعل، وليس البيانات العَرَضية أو الجانبية.. التي لا تعلم أنها تُستخدم أيضاً لاستهدافك، بعد بيعها للشركات المعلِنة على هذه المنصَّات. وتضيف أنه إذا كانت رأسمالية المراقبة.. تختلف – في كثير من النواحي – عن تاريخ رأسمالية السوق، فهي تبقى في أحد الجوانب الرئيسية.. تحاكي نمط رأسمالية السوق؛ إذ أدرك المؤرخون منذ فترة طويلة.. أن الرأسمالية تتطور من خلال إتيانها بأشياء تعيش خارج السوق، وإدخالها في ديناميكية السوق، بحيث يمكن تحويلها إلى سلع للبيع والشراء.
وهي تحذر من أنه – في هذا الشكل من الرأسمالية – يمكن القضاء على «أثمن ما تم الاحتفاظ به في الطبيعة البشرية». ترى «زوبوف».. أن أفضل وصف لرأسمالية المراقبة أنها «انقلاب من الأعلى»، أي أنها ليست إطاحةً بسلطة، بل الإطاحة بسيادة الشعوب. كما أنها تمثل قوة بارزة.. في الانجراف نحو إلغاء الديمقراطية، وهو الأمر الذي يهدد – في رأيها اليوم – الديمقراطيات الليبرالية الغربية. كما تعبّر عن قلقها بشأن الخصوصية، وبشأن الحق في الخصوصية الذي يُمكِّن المرء من اختيار مشاركة شيء ما.. أو إبقائه سرّاً، تقول إنه عندما نُحرَم من حقوق الخصوصية، يفقد المرء حقاً مهماً في اتخاذ القرار أيضاً، وتوضح أن رأسمالية المراقبة.. تؤدي إلى إعادة توزيع هائلة لهذه الحقوق، إذ يحرم الأفراد – بشكل متزايد – من اختيار ما الذي يبقى سرّاً عن حياتهم، وما الذي يريدون مشاركته، فيما أصبحت حقوق الخصوصية الخاصة بالأفراد.. عائدة – في الوقت الحالي – إلى رأسماليي المراقبة برأيها.
****
عندما تهاجمك مواقع السوشيال ميديا – سواء كان ذلك عبر التنمر الإلكتروني، أو الاختراق، أو الضغط النفسي الناتج عن المقارنات الاجتماعية – فمن الضروري اتخاذ خطوات حازمة لحماية نفسك وخصوصيتك.
نقلاً عن «المصري اليوم»