عمار علي حسن
انتبه علماء المسلمين لأحوال المجتمع.. الموجبة لقيام المدن؛ فاختلاف الناس في القدرات والميول والإلهامات، حتَّم عليهم التعاون لسد حاجة بعضهم البعض، حتى لا يهلك الجميع عجزاً أو تقصيراً وإهمالاً لشؤون العمران. وهنا يقول ابن خلدون – في مقدمته ذائعة الصيت – «الاجتماع الإنساني ضروري، ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم الإنسان مدني بالطبع أي لا بد له من الاجتماع، الذي هو المدينة في اصطلاحهم، وهو معنى العمران»، فيما يرى ابن الأزرق – في كتابه «بدائع السلك في طبائع الملك» – أن الإنسان مدني بالطبع؛ ليحفظ وجوده وبقاء نوعه، إذ لا يمكنه الانفراد بتحصيل أسباب معاشه. وهي مسألة يؤكدها ابن تيمية، حيث قال: «بني آدم لا تتـم مصلحتهم.. لا في الدنيا ولا في الآخرة، إلا بالاجتماع والتعاون.. على جلب منافعهم، والتناحر لدفع مضارهم«.
ويعبِّر القزويني عن حاجة البشر إلى المدن.. قائلاً: «لو اجتمع البشر في صحراء، لتأذوا بالحر والبرد والمطر والريح. ولو تستَّروا في الخيام والخرقاهات، لم يأمنوا مكر اللصوص والعدو. ولو اقتصروا على الحيطان والأبواب – كما ترى في القرى التي لا سور لها – لم يأمنوا صولة ذي بأس؛ فأكرمهم الله تعالى باتخاذ السور والخندق والفيصل، فحدثت المدن والأمصار والقرى والديار.«
واهتم علماء الحديث بدراسة المدن والأمصار والأقاليم، فأورد الإمام الذهبي – في كتابه «الأمصار ذوات الآثار» – اسم تسع وعشرين مدينة وأقاليمها، وذكر تحت كل واحدة منها.. زمن بنائها وفتحها وصفاتها، وبعض مشاهير علمائها وحفاظها وأعيان محدثيها.
وجاء الفقهاء.. ليتتبعوا مسار تخطيط المدن الإسلامية، ومراحل إنشاء تكويناتها المعمارية، وأحكام الوقف لها.. استناداً إلى القرآن والسنة؛ فتعرضوا للبناء الواجب.. من مساجد وأربطة وحصون وأسوار وجسور وقناطر وسدود وغيرها. والبناء المندوب.. كالمآذن والأسواق. والبناء المباح.. كالمساكن والحوانيت. مع بيان القواعد التي تحكم هذا النوع من البناء، باعتبار أن للسلطة السياسية شأناً فيه، والبناء المحظور.. كبناء القبور والكنائس، والبناء على أرض الآخرين.. كمرفوض وملفوظ، كما تعرضوا لحكم التوسع في البناء والتطاول فيه وزخرفته.
وانبرى الجغرافيون.. لبيان نصيب المدن من الأرض، وعرضوا تفاصيلها، من الداخل والخارج. وكان من أبرزهم محمد بن موسى الخوارزمي.. الذي تناول تحديد درجات الطول والعرض لخمسمائة وتسع وثلاثين مدينة، وزعها على الأقاليم. والأمير عماد الدين إسماعيل بن محمد.. المعروف بأبي الفداء؛ حيث ذكر في كتابه «تقويم البلدان».. صفات المدن وضبط أسماءها، وحدد مواقعها.
وجاءت كتب في المسالك والممالك، لتساعد على تبصير الإداريين والأمراء وعمال الدواوين.. بالعالم الإسلامي وحدوده ومعالمه؛ بما يساعد على دقة ضبطه وإدارته، فأفرد البكري في معجمه، الخاص بالجزيرة العربية، جانباً للمدن والحواضر، وهي تعادل – في أيامنا هذه – ما يُعرف بالجغرافية الإقليمية، حيث أضافت معلومات عن المدن المتواجدة في الأقاليم المدروسة؛ كالحديث عن الناس وعاداتهم وأحوالهم، والطرق والأسواق وموارد المياه والمساجد، والظهير الذي يحيط بالمدن، وأصل المدينة وتاريخها والتبدلات التي طرأت عليه.. بأثر تطورها الحديث. أما ياقوت الحموي فقد وسع الاهتمام في «معجم البلدان»، ليغطي أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي. وبعده جاءت الموسوعات (الجمهرات) لتتحدث عن المدن باستفاضة؛ مثل كتابات الوطواط والنووي وابن فضل الله العمري والقلقشندي، وتجلى فيها الحديث عن المدن وسكانها، وأحوالها وتقسيماتها.
وظهرت كتب الجغرافيا الإدارية.. التي تدرس المدن من الناحية الإدارية، وقوانينها.. كما في «قوانين الدواوين» لابن مماتي، و« لمع القوانين » للنابلسي وغيرهما، لتوضع خرائط عن المدن، كما في خرائط مصر للإصطخري والمقدسي والإدريسي وابن حوقل.
أما دراسة المدن من الداخل، فتندرج تحتها كتب الخطط؛ مثل التى وضعت عن مصر منذ النصف الثانى من القرن الثالث الهجرى، فيما كتبه ابن الحكيم والكندى والمقريزى فى القرن التاسع الميلادى، وقد وضع الأخير دراسة مفصلة مشهورة لخطط مصر ومدنها وقراها، ومنها تواريخ عواصم الخلافة الإسلامية؛ كمكة المكرمة والمدينة المنورة ودمشق وبغداد.
وأضافت كتب الرحالة.. تفصيلات ذات قيمة عن المدن، مما لفت نظر هؤلاء.. عما يخالف ما لاقوه فى بلادهم. وأشهر هذه الأعمال.. رحلة ابن جبير، ورحلة ابن بطوطة وغيرهما. كما أضافت كتب الحضارة والعمران – خلال بحثها في مدن العرب وأحوال البوادي والأرياف – الكثير.. عن خصائص مواقع ومواضع المدن، وشروط قيامها البشرية والطبيعية، وعوامل قيامها وزوالها.
وتحدَّث علماء المسلمين.. عن الضوابط – الواجب مراعاتها – عند اتخاذ المدن والحواضر وإنشائها، فيقول ابن خلدون مثلاً، إنها يجب أن تُحاط بسور يدفع المضار. وتحـتل موضـعاً منيعاً من الأمكنة.. على هضبة أو على نهر، أو باستدارة بحر. وموقعاً يتمتع بطيب الهواء، ويُمكّن الناس من جلب الماء.. بأن يكون البلد على نهر، أو بإزائه عيون عذبة.. لضمان الشرب والزراعة وطيب المراعي.
وأضاف ابن الربيع والماوردي شروطاً أخرى، منها عند الأول: تقدير طرق المدينة وشوارعها لتكون مناسبة، غير واسعة ولا ضيقة، ويُبنى مسجد في أوسطها، وتقدر أسواقها بكفايتها، لينال سكانها حوائجهم من قرب، وأن يميز قبائل سكناها.. بأن لا يجمع أضداد مختلفة متباينة، ويٌنقل إليها من أهل الصنائع بقدر حاجة سكانها. أما الثاني فقد صنف المدن وفق وظائفها، وتحدّث عن تركيبها الداخلي، وشروط اختيار موقعها ومميزاتها، بصورة تلائم الأحوال الاجتماعية والاقتصادية السائدة آنذاك.
ويحدثنا اليعقوبي عن تخطيط بغداد، وكيف أمر الخليفة أبو جعفر المنصور مخططيها.. أن يوسعوا في الحوانيت ليكون، في كل ربض من السكك والدروب النافذة وغير النافذة.. ما تعتدل به المنازل، وأن يسموا كل درب يسكنونه، وحدد لهم عرض الشارع بخمسين ذراعاً، والدروب ستة عشر ذراعاً.
نقلاً عن «المصري اليوم«