تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

زلزال «نازا»

M.Adam
د. أحمد يوسف أحمد  

د. أحمد يوسف أحمد

«نازا» NAZA.. مصطلح عسكري، إسرائيلي يُستخدم للإشارة إلى العدد المتوقع – أو المُقَدَّر – للضحايا المدنيين.. جراء العمليات العسكرية. وهو الاسم الذي اختاره المخرجان الإسرائيليان يوفال أبراهام وراشيل زور.. لفيلمهما الذي عُرِض مؤخراً في مهرجان البندقية السينمائي، وحظي – في عرضه الأول – بتصفيق حاد.. استمر 25 دقيقة؛ وهي أطول مدة تصفيق في المهرجان، قبل أن يحصل على «الجائزة الخاصة للجنة التحكيم». 

… يكشف الفيلم – بشهادات ضباط وجنود إسرائيليين، أُخفيت شخصياتهم، وغُيرت أصواتهم.. لحمايتهم من المساءلة – أن أعداداً كبيرة من المدنيين.. كانت تُدرَج، وتُقدَّر.. بصورة روتينية، ضمن قرارات الهجوم. 

كما كشف نظاماً مدعوماً بالذكاء الاصطناعي، يحدد الأهداف.. باستخدام البيانات التي يتم جمعها من آلاف الهواتف المحمولة المخترقة؛ بحيث إن عبارة «أبي في المنزل» – التي يتم التقاطها من هاتف ما – قد تكون كافية لشن غارة جوية. وكشف كذلك عن استهداف المدنيين.. في مناطق توزيع المساعدات، وعن استخدام عبارات مثل «عليهم أن يتعلموا بالدم». وناقش عدد من الضباط.. الذين تمت مقابلتهم، أوجه التشابه مع المحرقة النازية لليهود «الهولوكوست». 

… لم تكن هذه هي المرة الأولى، التي يتم فيها فضح جرائم الإبادة الجماعية الإسرائيلية سينمائياً؛ فقد فاز فيلم «صوت هند رجب» – للمخرجة التونسية كوثر بن هنية – بجائزة الأسد الفضي.. في مهرجان فينيسيا السينمائي في سبتمبر 2025، وحظي بدوره.. بتصفيق لـ23 دقيقة عند عرضه الأول، ثم عاد وفاز بجائزة «الفيلم الأكثر قيمة» في فبراير الماضي. وهو الفيلم الذي وثَّق جريمة قتل الطفلة الفلسطينية هند رجب (6 سنوات) التي قُتلَت بعد تسجيل صرخات استغاثتها.. في مكالمة هاتفية، عقب قتل أبناء عمومتها وخالتها وعمتها، ومسعفَين كانا يحاولان إنقاذها. 

غير أن «نازا» يختلف.. في أن صانعيه إسرائيليان، أي أنهما «شاهدان من أهلها».

ولهذا السبب تحديداً.. كانت ردود الفعل الإسرائيلية بالغة الشدة. ويُلاحظ أولاً، أن الجيش نفى صحة ما عرضه الفيلم؛ متعللاً بالتشكيك في انتماء من تمت مقابلتهم من الجيش. ومكرراً الادعاء المضحك.. بأن الجيش الإسرائيلي جيش أخلاقي، يعمل وفقاً للقانون الدولي. 

صحيح أن أصحاب الشهادات في الفيلم.. قد أُخفيت شخصياتهم – عمداً – لحمايتهم، لكن التشكيك في رواية الفيلم.. يبدو بائساً، مع اعتراف الجيش بقتل 70 ألف فلسطيني، ومع الشرائط المصورة لنسف عشرات البنايات متعددة الطوابق جواً، أو بعربات مدرعة معطوبة مفخخة، أو بضرب المستشفيات والمدارس والجامعات ودور العبادة.. بدعوى وجود «إرهابيين» فيها، على نحو لم يمكن إثباته أبداً. 

وأضاف رئيس الأركان.. أن الفيلم يُشكِّل هجوماً على إسرائيل، ووصفه بأنه يستند إلى افتراءات دموية، وتشويه متعمد للواقع، واتهامات خطيرة وكاذبة. ووجَّه المدعي العام العسكري.. «بدراسة واتخاذ إجراءات قانونية محتملة؛ تتعلق بالفيلم، والأشخاص المشاركين فيه». وقد بلغ الغضب بمؤسسات الدولة (الصهيونية).. حد مطالبة وزير الثقافة بتجريد المخرجَين من الجنسية الإسرائيلية.. بتهمة الخيانة العظمى. 

أما نيتانياهو، فقد وصف الفيلم بأنه صادم. وقال «نحن نحارب التحريض العالمي المعادي للسامية، وعندما يأتي من داخلنا.. يصبح أمراً لا يمكن احتماله». وأضاف «الآن يحظى مخرجان إسرائيليان – يصوران جيش الدفاع الإسرائيلي على أنه مجرم حرب – بالتصفيق في مهرجان البندقية». 

وبالنظر إلى الطبيعة المتطرفة للمجتمع الإسرائيلي، فإن الفيلم قوبل من الجمهور الإسرائيلي – بصفة عامة – بموجة عارمة من الغضب، والصدمة والرفض الواسع، وترددت الاتهامات لصانعيه.. بالخيانة وكراهية الذات، وتقديم خدمة مجانية لأعداء إسرائيل، وتبنى الجمهور اليميني والمحافظ.. الدعوات الرسمية لمقاطعة الفيلم، ومنع عرضه في إسرائيل، وتطبيق عقوبات صارمة ضد مخرجَيه. 

وفي محاولة لاستخلاص دلالات هذا الحدث.. تجدر الإشارة إلى أنه ليس الأول من نوعه، وإن اختلف في طبيعته وتأثيره الدولي، ذلك أن منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية البارزة – وعلى رأسها مركز «بتسيلم» – تبنت مواقف شديدة الانتقاد للسياسات الحكومية والعسكرية الإسرائيلية، وصلت إلى حد وصف الممارسات في غزة والضفة.. بـ«الإبادة الجماعية» و«التطهير العرقي» و«الفصل العنصري». 

ونذكر – في هذا السياق – التقرير الشهير لمنظمة «بتسيلم» بعنوان «إبادتنا» Our Genocide، الذي أكد أن «العمليات العسكرية في غزة تجاوزت قواعد الحرب، ومارست التدمير الممنهج للمجتمع الفلسطيني ومقومات الحياة فيه»، كما وثَّقت هذه المنظمات.. تصاعد الانتهاكات الجسيمة ضد المعتقلين الفلسطينيين، وذهب تقرير «أهلاً بك في الجحيم».. إلى أن ظروف الاعتقال والتعذيب الممنهج في السجون الإسرائيلية، ترقى لانتهاكات صارخة للقانون الدولي الإنساني. كما حذرت من سياسات التهجير القسري، واعتبرتها جزءاً من خطط أوسع.. للتطهير العرقي، وأشارت إلى عنف المستوطنين – المدعوم من الجيش في الضفة الغربية – بهدف تفكيك الوجود الجماعي فيها بما في ذلك القدس الشرقية. 

وكما واجه «نازا» كل ذلك الغضب، فإن هذه المنظمات تواجه أيضاً ضغوطاً هائلة، واتهامات بالخيانة من قِبَل الحكومة وقطاعات واسعة من الجمهور في إسرائيل، غير أن أهميتها تكمن في أنها.. تفتح المجال من ناحية لتحرك فلسطيني وعربي (غير رسمي) داخل إسرائيل، لتعزيز فرص التوصل لتسوية سياسية عادلة للقضية الفلسطينية. وتساعد – من ناحية أخرى – على مزيد من تراجع تأييد الرأي العام لإسرائيل.. داخل الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية؛ التي عُرِفت تقليدياً بانحيازها الصارخ لإسرائيل، وهو تراجع كان قد بدأ.. بعد وصول السلوك الإسرائيلي في غزة إلى مستوى الإبادة الجماعية، والتدمير الشامل لمقومات الحياة. 

وقد سبقت فيلم «نازا»، مئات من المواقف.. التي شهدت مظاهرات حاشدة في تلك الدول ضد إسرائيل، ومواقف صريحة لفنانين ورياضيين.. ذوي مكانة رفيعة تأييداً.. للحق الفلسطيني، ووصلت هذه المواقف لاحقاً إلى الصعيد الرسمي؛ كما بدا من اعتراف عديد من الدول الأوروبية بالدولة الفلسطينية. ومن أزمات العلاقة الإسرائيلية بدول أوروبية أخرى.. لن تكون المملكة المتحدة آخرها. 

… وهكذا، يبدو أن إسرائيل قد وضعت أقدامها باقتدار.. على بداية الطريق الذي انتهى بتصفية نظام جنوب إفريقيا العنصري في تسعينيات القرن الماضي، وهي قصة تحتاج العودة إليها لاحقاً.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة