Times of Egypt

عاشق مصر

M.Adam
د. أحمد يوسف أحمد  

د. أحمد يوسف أحمد

بينما تمر سحابة داكنة بسماء العلاقات الشعبية العربية، تسري نسمات طيبة من عاشق مصر الأول.. الشيخ سلطان القاسمي، حاكم إمارة الشارقة بدولة الإمارات. وأهمية تصريحات سموه عن مصر ودورها، ومكانتها في الخليج.. أنها تمثل الرد الموضوعي على الأزمة التي افتعلتها قلة مغرضة، أوغير واعية.. على الجانبين. ولا نعرف مدى انتشار الأفكار المغلوطة.. التي انطوت عليها هذه الأزمة. لكن المهم، أنه بدا معها.. وكأن هناك أزمة ثقة بين الرأي العام المصري، والرأي العام في دول الخليج. وهو استنتاج غير دقيق، ولذلك فإن أهمية تصريحات الشيخ سلطان القاسمي، أنها تضع الأمور في نصابها الصحيح، وتثبت أن العروبة مازالت حاضرة في بلداننا العربية، وأن لها رجالها القادرين على الدفاع عنها، والتصدي لأي حملات ضالة، تحاول النيل منها. وكثير منها ثبت أنه مدفوع خارجياً.. من أعداء العرب والعروبة. 

من هنا، كان الاستقبال الدافئ للتصريحات، والامتنان الصادق والعميق لصاحبها.. الذي كما تغنَّى بفضل مصر على الخليج، فإن المصريين يتغنون دائماً بوفائه لوطنه الثاني؛ والمظاهر التي لا تنقطع لهذا الوفاء، الذي ترجمه عملياً في أي لحظة شدة مرت بها مصر. وأبادر بالإشارة لوفائه تجاه المؤسستين اللتين ارتبط بهما في مصر.. بحكم تخصصه العلمي المزدوج، وهما كلية الزراعة بجامعة القاهرة.. التي حصل منها على درجته الجامعية الأولى. والجمعية التاريخية المصرية، التي ارتبط بها بعد حصوله على درجة الدكتوراه في التاريخ 1985 من جامعة إكستر البريطانية، وفضله على تطوير كليته الأولى يعرفه الجميع، ودوره في توفير مبنى مستقل للجمعية.. كانا خير شاهد على عطائه اللامحدود. 

تشرفت بلقاء هذا العروبي الأصيل في 1996، عندما دُعيت لإلقاء محاضرة عامة بالإمارة.. عن تطورات الصراع العربي-الإسرائيلي، وفوجئت بدعوة كريمة للقاء سموه، تصورت أنها بروتوكولية الطابع، لكني وجدت الرجل – بعد استقباله الكريم – يسألني عن معهد البحوث والدراسات العربية.. التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (إحدى منظمات جامعة الدول العربية)، وكنت أعمل مديراً له آنذاك، وقدمت له عرضاً أميناً.. عن جهود تطوير المعهد. فعلق بأنه يتابعها، ثم سألني عن الخدمات التي يقدمها المعهد لطلابه، فأخذت أحدثه عن التطوير الأكاديمي للمعهد، فكرر أنه عالم بها، لكنه يسأل عن التسهيلات التي تيسر عليهم مهمتهم.. باعتبار أن ما يزيد عن 90% منهم، من غير المصريين، فأحطته علماً بالمنح المجانية.. التي يقدمها المعهد لدارسيه المتفوقين، وتخفيضات الرسوم التي تُقَدَّم للدارسين من البلدان ذات الأوضاع الخاصة، فإذا به يسألني عن خدمات السكن، وكيف أن توفير السكن المستقر أمر لا غنى عنه.. لنجاح الدارس المغترب، وأخذ يتحدث عن تجربته في دراسته الجامعية بمصر، وكيف كان يستأجر شقة قريبة من الكلية، يدفع إيجارها شهرياً.. عندما تُحَول له أسرته قيمة الإيجار، وفي أحد الشهور لم يصله المال المطلوب، فقرر الانتقال إلى شقة أقل تكلفة. وذهب لصاحب العمارة ليخبره بقراره، فإذا بالرجل يقول له: «لن تترك هذه الشقة.. إلا عندما تُكمل دراستك وتعود لوطنك، أما الإيجار فتدفعه حين ميسرة». وقد كان وبقي شيخنا في مكانه.. حتى تيسرت الأمور، ولم ينسَ أبداً لمصر وشعبها هذا الموقف، وعرض الشيخ أن يوفر سكناً لدارسي المعهد، إما بإيجار مقر لهم، أو بناء مبنى خاص بهم، ولم يرَ هذا المشروع النبيل النور.. لأسباب لا علاقة لها بسموه، ليس هنا المكان المناسب لتناولها. 

تعددت – على الدوام – وتواصلت مظاهر الوفاء لمصر وشعبها.. وصولاً لتصريحات الشيخ القاسمي الأخيرة، ولن ينسى المصريون موقفه النبيل من المجمع العلمي المصري، الذي حُرِق في سياق أحداث يناير 2011، وكلماته عن هذه المناسبة: «يوم امتدت النار داخل المبنى، كان قلبي يتوجع على ما أراه». لكنه لم يكتفِ بالألم، وإنما أرسل مندوبين لباريس ولندن، جمعوا ما يتصل بمصر في القرنين 18 و19، وأهدى المجمع 7700 كتاب.. كثير منها من النوادر، ومنها الطبعة الفرنسية الأصلية لكتاب «وصف مصر»، ووصفه الراحل الكبير صلاح منتصر حينذاك.. بأنه «رجل عرف مكانة مصر، ومنحها حباً لا تنساه».

 وعندما منحت جامعة القاهرة – في مايو 2015 – درجة الدكتوراه الفخرية في العلوم الاجتماعية لشيخنا الجليل.. أثناء رئاسة الدكتور جابر نصار لها، ألقى كلمة تفيض بحب مصر والوفاء لها، وروى ذكرياته.. عندما وقع عدوان يونيو 1967، وهو طالب بكلية الزراعة، فذهب من فوره للتطوع في الجيش المصري، فقيل له.. لدينا ما يكفي من المتطوعين، فقال لهم أجيد قيادة السيارات، ويمكنني العمل سائقاً بالجيش، فجاءه الرد نفسه، فزاد بأنه يريد أن يقدم أي خدمة للجنود المصريين، واستخدم عبارة جعلتنا جميعاً نهب وقوفاً من فورنا.. في قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة – التي لم يكن فيها موضع لقدم – ونصفق له لدقائق طويلة، وقد حُذِفَت هذه العبارة لاحقاً من تغطية كلمته في جميع وسائل الإعلام، لكنها كانت تنطق حقاً.. بتواضع الرجل وعظمته، وعشقه لمصر وشعبها، وهو نفس المعنى الذي تبدى في كلماته المحبة لمصر، والمقدرة لمكانتها.. عند افتتاح معرض الشارقة الدولي للكتاب في 2017، وكذلك في أكتوبر 2024.. عند تسلمه جائزة النيل للمبدعين العرب، عندما قال «يسألونني دائماً لماذا أحب مصر؟ وأُجيبهم بأنني لولا مصر لما كنت أنا، فهذه الدولة العريقة.. تحتوي على كنوز من العلم والمعرفة التي يجهلها الكثيرون.. حتى من أبنائها. وتاريخ مصر عريق، وتراثها يمتد لآلاف السنين، وكانت دائماً مصدراً للأمان والعطاء». 

هكذا كان هذا الرجل العظيم – ومازال – نموذجاً متفرداً في عشق مصر والوفاء لها. وبوجود هذا النموذج في حياتنا، يمكن لنا أن نتجاوز – بسهولة – الأزمات الطارئة، التي تلحق بالعلاقات بين شعوبنا، ولا تجد لها أساساً.. إلا لدى نفر من المغرضين، أو غير الواعين، أو المتآمرين.. من خارجنا، فكل التحية والمحبة والتقدير لشيخنا الجليل.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة