د. أحمد زكريا الشلق
… وفي القرن العشرين، تطورت النظرة للحضارة والثقافة، وصارت هناك تفرقة بينهما؛ علاوة على تجنب إصدار الأحكام القيمية، وتقسيم الشعوب إلى متحضرة وغير متحضرة، ورؤى أن لكل شعب حضارته؛ سواء كان بدائياً أم متطوراً، وأن لكل حضارة.. معايير علمية وتكنولوجية خاصة بها، وتعريف الثقافة بأنها.. النواحي الأخلاقية والروحية في حياة المجتمع. أما الحضارة.. فتعني التطور العلمي والتكنولوجي، وإن كان هناك من لا ينكر أثر هذا التطور.. على المجال الثقافي أو الأخلاقي؛ ففي انتشار العلم والتكنولوجيا – مثلاً – ما يصرف الناس عن السحر والشعوذة.
وهناك بعض العلماء.. يفصلون مجال الحضارة عن مجال الثقافة نهائياً؛ فيقصرون كلمة الثقافة على النظم والمعايير.. التي تعبِّر عن حياة الجماعة الروحية؛ كالدين والأدب والفن والمثل الأخلاقية العليا. أما الحضارة.. فتنصب على المظاهر المادية والميكانيكية، التي ابتدعها الإنسان.. لضبط ظروف حياته وتطويرها. وبمعنى آخر، هناك من يرى أن «الثقافة تعني الحياة الروحية الحقيقية، بينما الحضارة تعني سيادة الآلة أو التصنيع». وهناك من يرى أن الحضارة أساسها العقل، ولا وطن لها، وأن نماذجها تنتقل من مجتمع إلى آخر، بينما الثقافة أساسها العواطف النفسية والقيم الروحية، وأنها متحررة من العقل، وتوجد داخل جماعة معينة.
والخلاصة، أن التفرقة بين الحضارة والثقافة.. هي تفرقة مصطنعة، وعلى غير أساس. فبينما يرى البعض أن الثقافة.. تمثل تراثاً متراكماً أو مدَّخراً، فهناك من يرى أن هذه صفات الحضارة، وليست الثقافة. كما أن هناك فريقاً.. يرى أنه لا يجوز الفصل بين الفلسفات الفكرية، وبين أدواتها المادية؛ فكل فلسفة فكرية، تنزع إلى التجسد.. في صيغ وأشياء مادية تعبِّر عنها. والعكس صحيح أيضاً، فقد نجد أن هناك ظواهر مادية.. تؤدي إلى فلسفات فكرية. والعلم نفسه، ليس إلا نتيجة تاريخية لثقافة الشعوب، وما الوسائل الطبية الحديثة ..إلا نتيجة لوسائل سحرية، أدت إلى تغييرات في العقلية الإنسانية، كان من نتائجها.. الوصول إلى الوسائل الحديثة في الطب. وبالعكس، نجد أن التقدم في الميدان العملي.. له أثر على النواحي الفكرية والفلسفية؛ فاختراع الطباعة.. كان له أثر عظيم على المجال الثقافي. وكل اختراع علمي، له أثر كبير على القيم الدينية والأخلاقية والسياسية.
إن الإنسان يتميز على الكائنات الأخرى.. بقدرته على خلق الحضارة ودعمها؛ فلكل جماعة إنسانية حضارتها المميزة.. التي خلقتها، وانتقلت من جيل إلى جيل. ولا يصح الرجوع إلى كائنات أخرى – غير الإنسان – لمعرفة أصل الحضارة؛ لأن الحضارة ميزة إنسانية، يتمتع بها الإنسان.. بفضل مرونة جهازه العصبي، وعقله.. الذي خلق لديه قدرة على الاستدلال والاستنتاج، وخلق له ذاكرة قادرة على الاحتفاظ بشتى التفاصيل، وعلى استخدام رموز شفوية.. هي اللغة. واللغة.. هي الأساس الأول لقيام الحضارة. ونحن لا نعرف جماعة إنسانية بغير حضارة. والمجتمع البشري.. جماعة من البشر، لهم حضارة.
ويرى البعض أن كل الحضارات.. انحدرت من حضارة واحدة. بينما لا يقر البعض بذلك، ويرون أن الحضارات من أصول متعددة، وأنها قابلة للحصر. كما أنها تتمتع بالاتصال والاستمرار. والمؤرخون وعلماء الاجتماع والمفكرون يختلفون في تحديد عدد الحضارات؛ فمنهم من يراها أربعاً، ومنهم من قال إنها إحدى وعشرون حضارة.
إن الحضارة نسق؛ لا ينفصل فيه الجانب الروحي.. عن الجانب المادي أو التكنولوجي. وغلبة عنصر على آخر، يهدد بانهيار الحضارة، فلابد من توازن العنصرين. والناس لا يعنون – عند صنع أدواتهم – بالاكتفاء بجانبها التقني، وإلا فما معنى الزخارف.. التي يزينون بها هذه الأدوات؟ وما يقال عن الأدوات، يقال عن الأنظمة الدستورية أو الاجتماعية؛ فالقانون لا يوضع لأغراض الإدارة فحسب، ولكنه يعبر أيضاً عن روح الشعب. ومن هنا يُعتز به في ذاته.. لأنه استطاع أن يجسِّم معاني نابعة من الوجدان. ولعل اختلاف الجانب التقني.. عن الجانب الروحي، هو الذي يفسر سر مقاومة التغيير والنزعات المحافظة؛ فالناس – رغم اقتناعهم بعيوب أنظمتهم – يرون أن تقاليدهم الموروثة – التي وضعها أسلافهم – لها قداسة خاصة.. بفعل الزمان، وهذا يُصعِّب التفاتهم إلى أي انتقادات بناءة.. يقصد بها التعديل لمصلحتهم!
والكتاب الذي يحمل عنوان «شجرة الحضارة»، يتناول تاريخ الحضارة الإنسانية؛ فيروي قصة الإنسان على الأرض.. منذ نشأتها، وبداية صنع حضارته، مروراً بالعصور المختلفة، حتى بلغت شكلها الحالي (في أواسط القرن العشرين) ويستند المؤلف (الأستاذ رالف لنتون) – في كتابه – إلى فكرة محورية، أراد إثباتها من خلال دراسته؛ تتمثل في أن الحضارة الإنسانية – أو الحضارات جميعاً – تعود أصولها إلى شجرة واحدة.. (ومن هنا اختار عنوان كتابه) بجذور وساق أصيلة، تفرعت عنها فروع عديدة.. في مناطق وأراض مختلفة، وتحولت هذه الفروع بدورها.. إلى جذور وسيقان وفروع مختلفة، في سائر أرجاء الأرض.. التي صارت «معمورة»، وأنها تأثرت ببعضها، وأثرت – بدورها – في غيرها.
وقد ذكرت زوجة المؤلف – التي نشرت مخطوطة الكتاب عقب وفاته – أنه كان يقصد تشبيه الحضارة.. بشجرة البانيان (التين الهندي)؛ التي تنزل منها بعض فروعها إلى الأرض، فلا تلبث أن تصبح تلك الفروع جذوراً، تنزل منها فروع أخرى، تصبح بدورها جذوراً.. يتفرع منها غيرها. وأنه يقصد بذلك.. تشبيه الحضارة الإنسانية بتلك الشجرة؛ فحضارة الإنسان ترجع إلى أصول محدودة، كثيراً ما تفرعت عنها حضارات أخرى، انتشرت في أماكن بعيدة عن الأصل، وأصبحت – بدورها – منبعاً وأصلاً لثقافات أخرى، ولو أننا درسناها مجتمعة، لاستطعنا أن نرى وجوه الشبه بينها، وربما استطعنا أيضاً تحديد مدى أثر بعضها على البعض الآخر.
نقلاً عن «الأهرام»