أعاد الهجوم على محطة نووية في الإمارات إحياء مخاوف التصعيد، بعد أكثر من شهر على سريان هدنة هشة في حرب الشرق الأوسط، واعتُبر رسالة تحذيرية وسط مفاوضات متعثرة رغم غياب اتهام صريح لأي جهة.
ويقول كريم بيطار، أستاذ العلاقات الدولية بمعهد العلوم السياسية في باريس، إن “استهداف منشأة نووية في الخليج… يُعد تجاوزا لعتبة نفسية واستراتيجية بالغة الحساسية”، مضيفا “لطالما اعتُبرت البنية التحتية النووية خطاً أحمر في المنطقة”.
ويرى أن التوقيت قد يحمل “رسالة أخرى يوجهها الإيرانيون للتعبير عن استيائهم من تعاون الإمارات مع إسرائيل والولايات المتحدة”، إلى جانب تعثر المفاوضات بين واشنطن وطهران منذ أسابيع.
– “تحذير” –
في أول هجوم من نوعه، استهدفت الأحد طائرة مسيّرة محيط محطة براكة في أبوظبي، ما تسبب بحريق بدون تسجيل إصابات أو تأثير على مستويات الإشعاع، وفق السلطات الإماراتية، التي نددت بـ”تصعيد خطير” من دون توجيه اتهام مباشر.
وتقول دانيا ظافر، المديرة التنفيذية لمنتدى الخليج الدولي، لوكالة فرانس برس إنه “بمثابة تحذير مفاده أنه في حال صعّدت الولايات المتحدة من هجماتها… فإن إيران ستفعل الشيء نفسه مع الإمارات ودول الخليج”.
وتشكّل محطة براكة “أكبر مصدر منفرد للكهرباء في الإمارات”، بحسب مؤسسة الإمارات للطاقة النووية.
وتُعد الإمارات من أبرز حلفاء واشنطن في المنطقة، ومن بين دول عربية قليلة طبّعت علاقاتها مع إسرائيل في إطار الاتفاقات الابراهيمية عام 2020.
وأكّد السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي الأسبوع الماضي أن الدولة العبرية زوّدت الإمارات بمنظومة قبة حديدية وأفراد لتشغيلها خلال الحرب مع إيران.
ورفضت الإمارات الجمعة “مزاعم” طهران بشأن ضلوعها في الحرب الأميركية الإسرائيلية عليها، بعدما اتهمها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأنها “شريك فاعل” في هذا النزاع.
– من المسؤول؟ –
أحجمت الإمارات هذه المرة عن تحميل أي جهة مسؤولية الهجوم، واكتفت البيانات الرسمية بالقول إن الطائرة المسيّرة التي استهدفت محطة براكة كانت من بين ثلاث دخلت الدولة “من جهة الحدود الغربية”.
وكان الرد الإيراني على الهجوم الأميركي الإسرائيلي، والذي بدأ عليها في 28 شباط/فبراير، أكثر شدة على الامارات بين دول الخليج، إذ استُهدفت وحدها بأكثر من 2800 صاروخ وطائرة مسيّرة، وفق أبوظبي.
ويفسّر بيطار الموقف الإماراتي بأنه “جزء من إدارة الأزمة”.
ويقول لفرانس برس “عندما تتجه كل الشكوك إلى إيران أو الجماعات الموالية لها، قد تتجنب الحكومات الإعلان الفوري عن منفذي الهجوم رغبة منها في الحفاظ على مجال لخفض التصعيد وتجنب الوقوع في فخ الرد العسكري”.
ويوم الهجوم على المنشأة، أعلنت السعودية تعرضها لهجوم بطائرات مسيّرة، قالت إنها “دخلت المجال الجوي للمملكة قادمة من الأجواء العراقية”.
وأكّد العراق الاثنين أن دفاعاته الجوية لم ترصد مسيّرات قالت السعودية إنها اعترضتها وإنها أتت من أجوائه.
وفيما تستبعد ظافر أن تهاجم السعودية إيران، ترجح أن “يكون الحوثيون وراء الهجوم، ما قد يمثل تحولا كبيرا في الحرب، أو قد يكون من العراق وهو أمر ليس بجديد”.
وقالت دول خليجية إن بعض الهجمات التي استهدفتها كان مصدرها العراق، داعية الحكومة إلى “وقف الهجمات التي تشنها الفصائل والميليشيات والمجموعات المسلحة من أراضي جمهورية العراق نحو دول الجوار”.
وأيا كان المسؤول هذه المرة، يقول أندرياس كريغ، الخبير في الشؤون الأمنية في جامعة كينغز كولدج في لندن، إن الهجوم “مصمم لإظهار أنه حتى البنية التحتية الأكثر حساسية وحماية في الإمارات يمكن الوصول إليها”.
– تطور مقلق –
تُعد الإمارات ثاني دولة في المنطقة تُنشئ محطة طاقة نووية، بعد إيران، والأولى في العالم العربي.
وعلّق مستشار الرئيس الإماراتي أنور قرقاش، في منشور على منصة إكس، على الهجوم قائلا “سواء جاء من الموكّل الأصيل أو عبر أحد وكلائه، يمثل تصعيدا خطيرا ومشهدا مظلما يخرق كافة القوانين والأعراف الدولية، في استهتار إجرامي بأرواح المدنيين في الإمارات ومحيطها”.
ويُعد استهداف منشأة خليجية للطاقة النووية تطورا مقلقا لا يقتصر على الإمارات فحسب، بل يثير أيضا مخاوف لدول الجوار والمنطقة.
فالمنشأة تقع في أقصى غرب إمارة أبوظبي بمنطقة الظفرة، ما يجعلها أقرب جغرافيا إلى الحدود مع السعودية وإلى سواحل قطر مقارنة بمدينة أبوظبي نفسها.
وحذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الاثنين من “أي تصعيد إضافي”، مشيرا إلى أن الهجوم “يُعد سببا إضافيا لدعوة الأطراف إلى وقف القتال بشكل كامل”.
واتهمت الإمارات إيران مؤخرا بالوقوف وراء هجمات على بنيتها التحتية للطاقة، في حين نفت إيران ذلك.
وفيما تتباين توقعات المحللين بشأن خيارات الرد الإماراتي، يستبعد كريغ أن يكون التصعيد العسكري الفوري من بينها.
ويقول لفرانس برس إن “الإمارات ستظل حذرة. فهي ترغب في تجنب الانجرار إلى تصعيد علني ما لم تحصل على دعم خارجي قوي ويتولد لديها شعور واضح بأن الولايات المتحدة لن تتركها مكشوفة بعد ذلك”.