وجيه وهبة
ذات يوم من أيام العام 1897، رست باخرة في ميناء «الإسكندرية» الكوزموبوليتانية، تحمل على ظهرها مهاجران، رجلان يمثلان النور والظلام، والأبيض والأسود، والماضي والمستقبل، رجلان تتناقض أفكارهما، وتختلف انتماءاتهما الفكرية والدينية، وإن اشتركا في المنشأ.. «طرابلس» اللبنانية وضواحيها. وشاء القدر أن يلعب كل منهما دوراً مهماً ومؤثراً في المجتمع المصري في مطلع القرن العشرين. الرجلان هما: «فرح أنطون» (1874 ــ 1922)، والشيخ «رشيد رضا» (1865 ــ 1935). جاء الرجلان إلى «مصر» الآمنة.. هرباً من «بلاد الشام»، التي كانت تمر بكل أنواع الاضطرابات الطائفية الدموية والمشاكل المترتبة عليها.. طوال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وكان قد سبقهما في الهجرة إلى «مصر».. العديد من نخب «الشوام» (أهل سوريا ولبنان وفلسطين) في مختلف المجالات، ممن ساهموا بدور طليعي مهم في حركة التنوير – النسبي ـ و«النهضة المصرية» في تلك الآونة.
في العام 1898، أصدر «رشيد رضا» مجلة «المنار» الإسلامية، وفي العام التالي (1899) أصدر «فرح أنطون» مجلة «الجامعة».. وهي «مجلة أدبية، سياسية، علمية، تهذيبية، صحية» (وفقاً لوصفه لها). شتان بين المجلتين وبين رسالتيهما، وشتان بين ثقافتي الرجلين. «فرح أنطون» تنويري موسوعي الثقافة، ورائد من رواد الدعوة إلى «العلمانية».. بمفهومها السمح. أما «رشيد رضا» – الذي كان.. مثل العديد ـ تلميذاً للإمام «محمد عبده»؛ فقد كان معنياً بالتربص لكل الأفكار التنويرية، ولم يكن إصلاحه المدَّعَى.. سوى إعادة إنتاج للفكر السلفي المتطرف. ولطالما شن الحملات الشرسة – في مجلته «المنار» – على جل رواد التنوير وأعلام النهضة البازغة، لم يدع واحداً منهم إلا وهاجمه، طاعناً في دينه. «هاجم علي عبد الرازق».. عندما أصدر كتابه «الإسلام وأصول الحكم»، وهاجم «طه حسين».. عندما أصدر «الشعر الجاهلي»، وهاجم «الشيخ مصطفى عبد الرازق» و«أحمد أمين» و«منصور فهمي» و«سلامة موسى»… إلخ.
للشيخ «علي عبد الرازق».. مقال في مجلة «الرابطة الشرقية» عام 1929، وصف فيه «رشيد رضا» بقوله: «.. محرِّف للكلم عن مواضعه، وكأنما قد خلق الله نفسه معوجَّة كلسانه، لا يمر بنفسه المبدأ الصحيح والمذهب القيم.. حتى يفسد ويتلوَّى، كما لا تجري على لسانه الكلمة المستقيمة.. حتى تقبح وتتشوه. وأوضح دليل على ذلك، أن يحتكر فلسفة الأستاذ الإمام (محمد عبده)، ودعوته إلى الخير والإصلاح، فإذا هذه المضيئة الحية الحرة.. قد مرت برأس الشيخ رشيد، فظهرت في آثاره مظلمة.. ناشرة للظلمة، ميتة.. باسطة لسلطان الموت، جامدة.. مسرفة في الدعوة إلى الجمود».
«… ولو قد عاش الأستاذ الإمام، فرأى الشيخ رشيد يسيء إلى كلمة الله.. هذه الإساءة، لأسرع إلى ما بينه من سبب؛ فجذمه في غير أناة ولا فتور. وكيف، وقد كان رحمه الله أشد الناس بغضاً للتكفير والتأثيم، ونفوراً من رمي الناس بالإلحاد والخروج على الدين».
كانت مجلة «الجامعة».. نافذة ثقافة تنويرية مهمة ورائدة، شملت الفلسفة والأدب والعلم والعلوم الإنسانية. وعلى سبيل المثال، فإن قراء العربية تعرفوا فيها – ولأول مرة – على «ابن رشد» وفلسفته، حينما كتب عنه «فرح أنطون».. مقالاً مطولاً عام 1902 (حوَّله فيما بعد إلى كتاب)، عرض فيه لسيرة حياته ولبعض مؤلفاته، ولتأثيره في المجتمع الأوروبي، خاصة دوره كشارح لفلسفة «أرسطو». وقد أحدث هذا المقال دوياً لدى «المتزمتين» دينياً، ومعركة.. حاول «رضا» تأجيج نيرانها، محرضاً الإمام «محمد عبده» على خوض غمارها.. على صفحات «المنار» ضد «فرح». وهذا ما سوف نعرض له في مقام آخر.
العظيم المظلوم
رثى «العقاد» «فرح أنطون» في مقال؛ وصفه فيه بأنه «من عظماء الشرق المغبونين»، وذكر كيف التقاه مصادفة في أحد اللقاءات القليلة بينهما: «.. على وجهه سماحة، تظللها سحابة من أسف شجي…. وأحسست موضع دائه فقلت له مؤاسياً ــ وكان كلامنا على النهضة السياسية -: إنك يا فرح أفندي طليعة مبكرة من طلائع هذه النهضة العامة، وسيعرف لك المستقبل من عملك.. ما لم يعرفه الحاضر، وستكون – حين يفترق الطريقان – خيراً مما كانت في هذا الملتقى المضطرب، فأومأ برأسه إيماءة شاكرة…». ويرجع «العقاد» سبب «فشل فرح أنطون، وكساد مجلته (الجامعة)».. إلى دعوته العلمانية «فصل الكنيسة عن الحكومة، ورأيه الذي ارتآه في كلامه على ابن رشد، ذاهباً فيه إلى انتقاد الجمع بين السلطتين الدينية والدنيوية.. في الخلافة الإسلامية».
مطاردة العلمانيين
يجب ألا نيأس من السعى نحو التصدِّى لدولة «المشايخ» و«الوعاظ»، المعممين وغير المعممين، الرسميين منهم وغير الرسميين. علينا الترويج للعلمانية بمفاهيمها الصحيحة، ولسنا مسؤولين عن أي فهم خاطئ لمعناها.. نتيجة لجهل متأصل أو تجهيل متعمَّد، جعل من العلمانية ـ تدليساً ـ مرادفاً للكفر والإلحاد (على الرغم من كونهما حقاً إنسانياً ودستورياً.. من حقوق حرية الاعتقاد).
ليس من حُسن الفطن مطاردة العلمانيين؛ فالعلمانيون – كما يقول لنا تاريخنا – لم يمثلوا يوماً خطراً على المجتمع؛ فلم يحرضوا على العنف، ولم يسعوا لقلب نظام الحكم، ولم يسفكوا دماً، ولكن الذي فعل كل هذا.. هم أناس من أمثال أتباع «البنا» و«عمر عبد الرحمن» و«القرضاوي» و«الظواهري»… إلخ.
لن تستقيم نهضة بدون «العلمانية».. «فصل الدين عن الدولة»، بلا مواربة ولف ودوران والتفاف على المعاني.. بشعارات بديلة، مثل «فصل الدين عن السياسة»، أو غير ذلك من اجتهادات.. هي ليست إلا تحايلاً لغوياً مخاتلاً، تنقصه شجاعة المواجهة، وتعبِّر عن «تقية» مستهلكة، ولطالما جُرِّبت من قبل، ولم تسفر إلا عن التخلي عن المزيد من مساحات العقل الجمعي، ومزيد من التراجع والانسحاب أمام جحافل الظلام، أو حتى السير في ركابهم.
نقلاً عن «المصري اليوم»