تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

الكتابة كمان وكمان

M.Adam
نيفين مسعد

نيفين مسعد

عندما أخرج يوسف شاهين فيلماً بعنوان «إسكندرية كمان وكمان».. بعد فيلمه «إسكندرية ليه»، فإنه فتح الطريق أمام الكثيرين.. ليفعلوا مثله.. أشياءً كثيرةً كمان وكمان. وهكذا بعد أن كتبت الأسبوع الماضي مقالاً عن أنواع مختلفة من الكتابة، وتوقفتُ بشكلٍ خاصٍ أمام الكتابة على الأوراق النقدية، رأيت أن أتناول اليوم المزيد من أنواع الكتابة، بعد أن أعطاني بعض الأصدقاء أفكاراً جديدةً.. جديرةً بالتنويه، لتكتمل الصورة عن حب العرب للكتابة.

لفتت انتباهي الصديقة العزيزة الكاتبة إنعام كچه چي.. إلى أن العرب يكتبون على جلودهم، وهذا صحيح. وعلى المستوى الشخصي، ينطبع في ذهني مشهدان لا أنساهما عن الكتابة على الجلد. المشهد الأول.. من مطلع ثمانينيات القرن الماضي، عندما كنت أشارك في أعمال المراقبة على امتحانات طلاب كليتي، وهي مهمة لا يحبها المعيدون الجدد.. لكن لا يمكنهم التهرُّب منها أبداً. مثل شرطي الدرك، رحت أجوب خيمة الامتحانات.. المنصوبة خارج مبنى الكلية؛ جيئةً وذهاباً، لأتأكد من انتظام سير الامتحانات. الدنيا حر، والمهمة مملَّة، لكن تكفَّل أحدهم بإدخال شيء من الإثارة على الموقف. وضع موظف الكلية – المشارك في المراقبة – يده على ذراع طالب في السنة الرابعة.. مكتوب عليه فقرة محترمة من إجابة أحد أسئلة الامتحان. وكان هذا الأمر معتاداً في أيام الغش الوسطى «الجميل».. عندما كانت وسائل الغش محدودة، وتتراوح ما بين الكتابة بخط صغير – لا يكاد يُرى – على أوراق مطوية.. يُطلَق عليها براشيم، والكتابة على الأكف والسواعد والأرجل، لكن بدرجة أقل.. بسبب عاملي: الخطورة، وضيق المساحة. كذلك كان الإملاء الشفوي من الطلاب الشُطَّار موجوداً، متى كانت هناك فرصة للهمس، وتوفَّر الاستعداد للمغامرة. 

المهم، تم إلغاء امتحان الطالب في هذا اليوم، أما ذهني.. فلم يمسح الواقعة، لأنها كانت المرة الأولى التي أتعرَّض فيها لهذا الموقف.. بكل مشاعره المتضاربة؛ ما بين الغيظ من الطالب، والإشفاق عليه. لاحقاً.. سوف تجري مياه كثيرة من تحت الجسور، وسوف تلهو بنا الحياة وتسخر.. كما يقول چورچ جرداق، لنتعرَّف على وسائل للغش لا أول لها ولا آخر، أشهرها – ولا شك – الغش بالموبايل، وهذا باب مفتوح على العجب العجاب. 

أما المشهد الثاني – الذي لا أنساه – فهو مشهد رشدي أباظة من فيلم «تمر حنة» عندما فضَّلت عليه حبيبته نعيمة عاكف.. الشاب الوجيه ابن الذوات أحمد رمزي، فقرَّر أن يمحو اسمها وصورتها المرسومة على صدره بماء النار. ولأننا كنَّا في شبابنا مهووسون برشدي أباظة – فتى الشاشة الأول – فإن معالم الألم الشديد المرتسمة على وجهه.. بينما يزيل اسم وصورة تمر حنة، وهي ترتدي بدلة الرقص، ويهرب بجلده حرفياً.. من ذكراها، عصرَت قلوبنا عصراً، وجعَلتنا نسخط على نعيمة عاكف.. التي لم تكن تقدِّر النعمة. لكن المخرج حسين فوزي طيَّب خاطرنا.. في نهاية الفيلم، وكان أن جمع الله الشتيتين بعدما ظنَّا كل الظن ألا تلاقيا. ويقال إنه تم تغيير نهاية الفيلم خصِّيصاً.. لأن الجمهور عايز كده. 

وكما تطوََرت ظاهرة الغش تطوراً مذهلاً، تطوَّرت أيضاً ظاهرة الكتابة والرسم على الجلد.. بشكل لم يخطر على بال أحد؛ من أول الأسد على ذراع شجيع السيما أبو شنب بريمة.. في الليلة الكبيرة، إلى مختلف صنوف الشعر والطيور والجماجم والزهور والمشاهير.. وكل شيء بالمعنى الحرفي للكلمة. وتكفَّلت ظاهرة العولمة.. بإلغاء الحدود بين العرب وغير العرب؛ فالنقوش على أجسام الرياضيين والفنانين والناس العاديين في الغرب – كما في الشرق – تنافس لوحات المراسم والمعارض الفنية، ولا أملك معلومة دقيقة.. بخصوص مَن أثَّر في الآخر؛ العرب أم غير العرب. لكن بالتأكيد، فإن الكتابة والرسم بالحنَّة على كفوف العرائس.. هي ظاهرة عربية بامتياز، وقديمة أيضاً بامتياز.

ويحب العرب الكتابة على الذهب والفضة.. وهذه الكتابة بدورها عابرة للحدود، لكن طوَّرها العرب، وطوَّعوا المعدن النفيس لآيات من القرآن، والكتاب المقدس، وكلمات شعرائهم في الفصحى والعامية. نادراً ما كنا نجد فتاة أو امرأة في الستينيات والسبعينيات.. لا تتدلَّى من عنقها «ماشاء الله»، كما كنَّا نسميها. ونعني بها سلسلة من الذهب الخالص، في نهايتها دلَّاية.. مكتوب عليها عبارة ما شاء الله. وكان من الطريف، أنه حتى لو كانت الدلَّاية عليها آية الكرسي.. فإننا كنَّا نطلق عليها ماشاء الله. 

كانت أيضاً – وما زالت – دبل الخطوبة.. تحمل أسماء كل من وجَّه كيوبيد سهامه إلى قلوبهم، فإذا بالخطيبين يطوِّق كل منهما إصبع الآخر باسمه. يقول جليل البنداري – في أغنيته اللطيفة لشادية – «وفي دبلة الخطوبة، كتبنا اسمنا». بدأت هذه الدبل بالذهب للجنسين، ثم تحوَّلت إلى الفضة للرجال فقط؛ لأسباب دينية واقتصادية أيضاً. فلم نعد نرى الدبل الذهب تلمع في أصابع الرجال.. إلا فيما ندر. لكن في عائلتي ظلت الدبلة الذهب في إصبع والدي.. شديد التقوى إلى أن توفاه الله، لا هو غيَّرها ولا هو بدَّلها. وهي الآن مع دبلة شريكة عمره.. تونس خزانتي. 

ثم دخلنا بعد ذلك إلى عصر عزة فهمي. أقول ذلك.. لأن هذه السيدة أحدثت ثورة حقيقية في مجال الكتابة على الفضة المطعَّمة بالذهب، وبدأت بذلك طريقاً سار فيه كثيرون. يوجد لديها ميل خاص لأزجال صلاح چاهين وبيرم التونسي، وشعر عمر الخيام وأحمد رامي ونزار قباني. وهي – مثلها مثلنا – تتبارك بكلام الله، وتخشى من عين الحسود، وتحيط كتابتها بخمسة وخميسة، أوكف فاطمة.. كما يقول أهلنا في دول المغرب العربي، مع خرزة زرقاء ومقص. كما يهوى العرب الكتابة على الزجاج والخشب والخزف والصيني، وتكون المتعة صافيةً.. حين تجمع البيوت القديمة بين هذه الأنواع من الكتابة أو بعضها، ومَن منَّا بمقدوره أن يُفلت من سحر بيت السحيمي، حيث تختلط الألوان بالخشب المعشَّق، ونهج البُردة.. بتمنيات العز الدائم والإقبال؟

أما أجمل ما جاء في الأثر القديم عن الكتابة، فهو أنها لسان اليد، فالبعض منَّا يجيد الكتابة.. بأكثر مما يجيد الكلام، وحيثما يجتمع الصدق مع القدرة على التعبير، تصبح الكتابة لسان اليد والقلب معاً.

نقلاً عن «الشروق» 

شارك هذه المقالة