سمير مرقص
(1) «الاقتصاد المصري في 1000 صفحة»
عرضنا في الأسبوع الماضي.. الإطار العام لـ «دليل أوكسفورد إلى الاقتصاد المصري» الذي حرره الاقتصادي المصري والوزير السابق الدكتور محمود محيي الدين، وأستاذة الاقتصاد الدكتورة رشا رمضان، والمدير السابق بالبنك الدولي والمستشار المستقل مارسيلو جيجالي؛ من حيث هدفه ورسائله.. المستخلصة من حصيلة البحوث المنشورة، وبنية الدليل: أقسامه الستة وفصوله/بحوثه الثلاثة والأربعون.
وتعكس القراءة الأولية لكثير من بحوث الدليل.. أن جهداً معرفياً ضخماً بذلته النخبة البحثية – أغلبهم مصريون من أجيال متعاقبة – التي شاركت في إعداد البحوث المختلفة. ومن ثم نحن أمام عمل لا يمكن تجاهله، لأنه يجتهد في رسم صورة كبرى – تفصيلية – لما حل بالاقتصاد المصري.. بعد عقود من تحولات حادة تعرض لها؛ من اقتصاد الدولة والتخطيط المركزي، إلى اقتصاد الانفتاح، إلى الاقتصاد النيوليبرالي؛ اقتصاد السوق والتكيف الهيكلي والخصخصة.
ومن ثم تناول الدليل – على مدى صفحاته الألف تقريباً ـ بحث العديد من الموضوعات كما يلي؛
- أولاً: الاقتصادية والمالية والنقدية مثل: النمو، والسياسات المالية، والضرائب، والسياسات النقدية وسعر الصرف، والتضخم، والإيرادات، والاستثمار، والمنافسة، وتحديات الإنتاجية، والعمالة، والتوظيف.
- ثانياً: قضايا نوعية مثل: السكان والاقتصاد السياسي للهجرة المصرية، والتعليم، والصحة، والرقمنة، والتغير المناخي، ونهر النيل وإدارة المياه، وغزو الصحراء، والسياسات الزراعية، والعمران، والتحضر، وتمكين المرأة، والحماية الاجتماعية، وقوانين العمل، والاقتصاد غير الرسمي.
- وثالثاً: الإشكاليات الاجتماعية مثل: الفقر، وأزمة الطبقة الوسطى، اللامساواة الاقتصادية والاجتماعية، العنف ضد النساء والفتيات، سوء التغذية.
- رابعاً: مفاهيم حاكمة لتجديد الاقتصاد المصري: الحوكمة، واللامركزية، والتوطين، والتنمية المستدامة، وتعزيز رأس المال الاجتماعي، والإمكانات الكامنة للتحول.
(2) «أربعة ملامح ميزت الصورة التي رسمها الدليل للاقتصاد المصري»
لا تتوقف الصورة المرسومة للاقتصاد المصري عند حدود وصف اللحظة الراهنة له، بل تتجاوزها إلى محاولة تتبع مساره التاريخي وصولاً إلى يومنا هذا. ويمكن القول إن الدليل نجح في الآتي:
- أولاً: ممارسة نوع من «المساءلة» للاقتصاد المصري. إذ لا يقدم الدليل تشخيصاً للاقتصاد المصري فحسب، بل يجتهد في تفسير البنية التي أنتجت اختلالاته.
- ثانياً: حاول أن يأخذ في الاعتبار.. السياق الاجتماعي وتحولاته، كذلك توجيه النظر أيضاً إلى التغيرات العالمية.
- وثالثاً: تناول العديد من الزوايا والجوانب والمستويات.. التي توفر فهماً تفصيلياً ودقيقاً لوضعية الاقتصاد المصري.
- رابعاً: راعى عدم الفصل بين السياسات المالية والاقتصادية والنقدية.
- وخامساً: لم يهمل البعد الاجتماعي.. حيث أفرد مساحة وازنة للإشكاليات الاجتماعية.
ولعل الفصول المعنونة: السياسات الاقتصادية الكلية في مصر (9)، تاريخ التحول الأيديولوجي (38)، والاتجاهات الاقتصادية الكبرى ومحفزات التحول والإمكانات الكبرى (42)، والاضطرابات (43).. حاولت أن تضع ملامح صورة المستقبل للاقتصاد المصري.. المختلف أو الآخر؛ فالفصل التاسع.. يستعرض دورات التوسع والانكماش وأسبابها. وكيف أن الأزمات دائمة التكرار. ويدعو إلى الاكتفاء بمجرد إدارة الأزمة، والتحرك لبناء القدرة على الصمود الاقتصادي economic resilience.
أما الفصل الثامن والثلاثون، فيرصد آفة مستدامة.. تتعلق بأن التغير في التوجه الاقتصادي، لا يواكبه آليات تنفيذ ملائمة. ويشير الفصل الثاني والأربعون.. إلى الاتجاهات الاقتصادية الكبرى Megatrends، التي تعيد تشكيل الاقتصاد والمجتمع والعالم، وضرورة الانتباه إليها وكيف يمكن النظر إليها كمحفزات للتحول، واستنفار الإمكانات الكامنة من موارد بشرية ومادية وثروية.
وأخيراً يأتي الفصل الثالث والأربعون.. فيوجه ببناء اقتصاد قادر على مواجهة «البجع الأبيض»، أو الاضطرابات والأزمات المتوقعة. و«البجع الأسود».. أو الكوارث والجوائح والأزمات المفاجئة. وذلك ببناء مؤسسات وسياسات قادرة ـ بمرونة ـ على المواجهة.
(3) «لكل مشكلة حل»
نجح الدليل في تقديم بنية تحتية معرفية وتحليلية ضخمة، ثرية بالمعلومات والأفكار، من شأنها أن تصبح قاعدة انطلاق لصياغة اقتصاد مختلف بامتياز. فالمُراجع لفصول/بحوث الكتاب.. سوف يقابل عددا لا حصر له من العناوين والمفاهيم والحقائق، حول كل موضوع تناوله فصل من الفصول/بحث من البحوث. بمعنى آخر استطاع الدليل أن يرسم صورة كبرى/تفصيلية حول كل فصل/بحث.
وأظن أن ما كان يجب استكماله، هو الربط والتشبيك.. بين أطروحات البحوث المختلفة في نص واحد. لقد وفر الدليل، وحسب خاتمة ـ المقدمة ـ الخلاصة أو الرؤية الشاملة Synthesis التي قدمه بها المحررون، «دروساً مهمة حول واقع مصر، وما يمكن أن تصبح عليه. وللبدء، لا تبدو أي من المشكلات العديدة التي تناولتها فصول الدليل.. مستعصية على الحل من الناحية الفنية؛ فهي ليست معضلات لم يشهد العالم مثيلاً لها من قبل، ولا تملك التخصصات المهنية إجابات بشأنها. فالمشكلة لا تكمن في نقص الأفكار، أو غياب النماذج.. المستقاة من دول نجحت في معالجة مشكلاتها، أو عدم توافر الدعم الخارجي. بل على العكس، طرحت – على امتداد الزمن – إصلاحات كثيرة جيدة التصميم ومعقولة، كان بعضها مدعوماً بتمويل أجنبي. غير أن معظم هذه الإصلاحات.. تلاشى، أو تعثر خلال مرحلة التنفيذ. وحتى لو كانت المشكلات أكثر تعقيداً واستعصاءً من المعتاد، فإن هذا الدليل يثبت أن مصر لا تعاني نقصاً في الكفاءات الفنية.. القادرة على مواجهة تلك المشكلات. فالمجلد يضم 69 مؤلفاً ينتمون إلى مؤسسات أكاديمية وخلفيات تعليمية وتوجهات سياسية وأجيال وإلى الجنسين… قدموا آراءهم بسخاء وصراحة، ومن دون مواربة. وتحولوا إلى مجتمع مهني متكامل؛ بل أصبح لديهم حتى موقع إلكتروني مفتوح خاص بهم للنقاش. وسيكون من الخطأ الجسيم ألا يستفيد صانعو السياسات من هذا المجتمع المهني».
(4) «الاقتصاد المصري: من المهنية إلى السياسة»
وبعد، أظن أن ما ورد في دليل أوكسفورد إلى الاقتصاد المصري.. يمثل قاعدة لانطلاقة حوار حول مخرجات البحوث التي تضمنها الدليل، وبلورتها في نص جامع يمثل – في الحد الأدنى – رؤية موحدة للاقتصاد المصري. وبلغة أخرى.. ينقل الجهد العلمي التحليلي المهني من دائرة «الأكاديميا» والفكر، إلى دائرة السياسة والفعل. إن الفصول الثلاثة والأربعين من دليل أوكسفورد إلى الاقتصاد المصري قدمت – ولا شك مثلت – ورشة عمل مهنية لتفكيك وإعادة تركيب شتى المكونات، التي يتكون منها الاقتصاد المصري (لاحظت غياب فصل خاص عن الصناعة) وبقي لزاماً علينا جعل تلك المكونات المركبة في هيكل واحد.
نقلاً عن «المصري اليوم»