Times of Egypt

دروس الانتخابات النقابية

M.Adam
أحمد الجمال

أحمد الجمال
كتب غيري وتحدَّث – كما كتبت وتحدَّثت – عن ضرورة قراءة مجريات الانتخابات النقابية في مصر، وتحليلها واستخلاص دروس نتائجها، حتى لا يُعاد إنتاج مسارات ونتائج مكرَّرة، أقل ما توصف به – ويوصف من هم وراءها بالتالي – هو التسرع واللامبالاة.. وربما العناد فاقد البصيرة، وعدم امتلاك القدرة على إعلاء مصلحة الوطن.. فوق كل الاعتبارات ضيقة الأفق، ذاتية المعايير.

وأعتقد أن مكمن الخلل هو زعم البعض أنهم وحدهم يمتلكون حق فرز وتصنيف الأطراف والأفراد المشاركين في العملية الانتخابية، بين موالاة وبين معارضة.. أو بالأصح والأدق؛ بين من يمكن ضمان استعداده للطاعة، وتنفيذ ما يُطلب منه دون مناقشة.. أو احتمال للاختلاف، وبين من هو عكس ذلك.

وهذا خلل جسيم، وزعم باطل، لأن الحقيقة هي أن الكل منتمٍ للدولة المصرية.. ولاؤه لدستورها وقوانينها، والكل وطني له حقوق وواجبات المواطنة الكاملة التي كفلها الدستور والقوانين. وهذا ما يحفل به الخطاب السياسي الرئاسي، الذي يؤكد دوماً عن أن بناء الوطن لن يتم كما ينبغي.. إلا بتضافر وتعاون وجهد الكل الوطني المصري، وأن سلطات الدولة على مسافة واحدة من الجميع، مهما كان التنوع والاختلاف.

ولذلك فإن أي مراقب يرصد الأحداث.. يقف مندهشاً، وربما مذهولاً، لا يجد إجابة لسؤال فحواه: على أي أساس يقال إن هذا المرشح بعينه.. هو مرشح الحكومة المعتمد، وهل يبرر ذلك العصف بكل الضوابط الحاكمة قانوناً للعملية الانتخابية، بتعمد استخدام ضغوط الترهيب والترغيب على الناخبين. وتوظيف إمكانات وتسهيلات يُفترض أنها عامة – أي ملك لجميع المصريين، كشركات قطاع الأعمال «العام سابقاً» – لمصلحة مرشح بعينه، ناهيك عن الأكثر خطورة وهو الإرهاب المعنوي.. لمن لا ينفذ التعليمات، والاغتيال المعنوي لمن يصنفون بأنهم ليسوا مرشحين مؤيدين من الحكومة. هذه الأمور.. عشناها في انتخابات الصحفيين والمهندسين والمحامين، لدرجة أنها صارت مثار سخرية من جموع الناخبين الحاضرين، عندما يتم توزيع وجبات طعام، فيقال: سنأكل طعامهم ونحرمهم أصواتنا، وعلى عكس المثل القديم.. من يأكل طعام السلطان يضرب بسيفه!

والأدهى، والأكثر مرارة، هو أن النغمة إياها.. لا تتوقف عند خسارة من زعم أنه مرشح النظام أو الحكومة، وتكرار خسارته؛ لأنه ومشايعيه يطلقون التبريرات.. من قبيل أن اليساريين والناصريين متحالفون مع خلايا نائمة تآمروا، ولولا مؤامرتهم لتغيرت النتيجة.

وطبعاً فإن هؤلاء التبريريين.. لا يتطرقون إطلاقاً إلى أن المؤامرة الحقيقية، هي غياب الوعي والفهم، والسلوك الذي يحترم فلسفة الدستور والقوانين القائمة، التي تحكم مسار الجمهورية الجديدة، التي احترمت حقيقة أن كل المصريين وطنيون، ساهموا في التصدي الجذري لحكم الإخوان، وصنعوا ثورة يونيو مع قواتهم المسلحة، وأن كل التيارات والانتماءات والأحزاب بمختلف المشارب الفكرية والسياسية.. هم من صميم التركيبة السياسية والنقابية الوطنية.

وتبين بالتجربة العملية الحية.. أن من تم تصنيفهم باعتبارهم مخالفين، ولا يحظون برضا الحكومة وبعض الأجهزة؛ أثبتوا أنهم قادرون على نوال ثقة الناخبين وعلى النجاح، ثم رأيناهم وتابعناهم وهم يمارسون السلوك النقابي الذي يحتم عليهم أنهم ليسوا في خصومة مع أحد، وأن مواقعهم التي تشرفوا بها تجعلهم ملكاً للجميع وفي خدمتهم. ولم يثبت في كل الحالات – سواء في الصحفيين أو المهندسين أو المحامين – أنهم يعملون ضد الوطن، أو يتواطؤون مع أعدائه الذين أدانهم القانون، وجرَّمهم في الداخل، أو الذين يحاربون مصالحه ودوره في الخارج. ثم إن السؤال الاستنكاري.. أكثر مما هو استفهامي، موجه للذين لا يتعلمون من تجاربهم، ولا يدركون أن العقل الكيِّس الفطن.. يحتم أن يدرك المرء متى يتقدم ومتى يتوقف، ومتى ينسحب ويتقاعد، لأن لكل نشط نشاطاً عاماً.. تاريخ صلاحية، إذا انتهى يصبح وجوده ساماً له ولمن حوله.

ومع ذلك، فإن البعض يصر على إنزال الأذى بالنظام وبالحكومة وبنفسه، وكأنه مصاب بمازوخية.. تحتاج علاجاً طبياً، وإعادة تأهيل.. ليستطيع ممارسة حياته بعد ذلك.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة