تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

صورة العالم بعد نهاية العاصفة «الترامبية»!

M.Adam
جمال فهمي 

جمال فهمي

سنة واحدة أمضاها دونالد ترامب في البيت الأمريكي الأبيض.. كانت كفيلة بإصابة العالم بفوضى هائلة، كما أحدثت حتى الآن تشققات وانهيارات غير مسبوقة في النظام السياسي الدولي الذي أسسته الولايات المتحدة ذاتها.. وبدا مناسباً لها، ومكَّنها – على مدى أكثر من 80 عاماً – من ممارسة قيادتها المطلقة للمعسكر الإمبريالي الغربي بأكمله. اليوم يبدو أن هذا النظام يتشقق وتتآكل أركانه.. تحت وطأة السياسات الترامبية، والعربدات الفجة التي يمارسها ساكن البيت الأبيض، ولا تميز – في حمأة سعارها – بين خصم وحليف؛ بل طالت فعلاً أكثر الحلفاء قرباً وحميمية.

لقد أثارت السياسات والممارسات الترامبية التي تلامس حدود الجنون، مخاوف وهواجس هؤلاء الحلفاء، بل إن الأمر، كما يبدو جلياً هذه الأيام، تجاوز مجرد الشعور بالخوف والفزع، وربما استقر الآن في منطقة أخرى بعيدة.. إذ استحال الشك الغربي إلى يقين؛ بأن الاصطفاف الذي ظلت واشنطن تقوده لعقود طويلة، ومن ثم «النظام الدولي» ذاته.. الذي كان هذا الاصطفاف يهيمن عليه، كلاهما غير قابلين للاستمرار على الصورة القديمة.

طبعاً النظام الراهن المفروض على البشرية جمعاء.. بمضمونه الاستعماري، سيبقى.. ما بقيت الظاهرة الإمبريالية، لكن الذي في طريقه للتغير فقط.. هو شكل وآليات الاصطفاف الإمبريالي الغربي القديم، واستبداله بآخر جديد، يجاهد لكي يناسب حقائق العصر، ومعطيات تراكمت على مدى سنين وعقود طويلة.. حتى أتت العاصفة الفاشية الترامبية، لتتوجها، وتكشف عورات نظام عالمي مختل.. كان يقوم على القوة وحدها، وأتى ساكن البيت الأبيض الحالي.. ليجعلها قوة غاشمة غبية، وعارية من أي مساحيق تجميلية.

الحقيقة، أن ترامب أبدى – في عام واحد – آيات من الجشع والحماقة، والاستهتار بأي قانون أو أخلاق، وأسرف في العربدة يميناً وشمالاً.. على امتداد خريطة العالم، وهو ما أثار شعوراً عاماً بالاستياء والغضب.. الذي بقي مكتوماً، لا سيما في عواصم دول غربية مهمة، لكن كتم الغيظ، بل والتوسل بالنفاق الممجوج لشخص ترامب، كل هذا لم يفلح، لهذا سرعان ما بدأ التعبير عن الغضب والاستياء يتسرب رويداً رويداً.. إلى العلن، خصوصاً بعدما طالت الكثير من العربدات الصف الغربي ذاته.

قائمة هذا النوع من العربدات طويلة جداً؛ بدأت من ولايته الأولى.. عندما طالب دول الغرب الأوروبي أعضاء حلف الأطلسي بزيادة حجم مساهماتها المالية في الميزانية السنوية للحلف، والقفز بها من 2% من دخلها القومي إلى 5%. وهي نسبة كبيرة جداً وتمثل عبئاً مالياً ضخماً.. لقد أتى هذا المطلب في سياق توبيخ علني متكرر.. لدول أوروبا الغربية، واتهامها بأنها تستسهل الاعتماد المطلق على واشنطن.. لحفظ أمنها على حساب واشنطن (!!).

غير أن ولاية ترامب الثانية، شهدت تطوراً دراماتيكياً قوياً على هذا الصعيد، إذ بدأ ولايته الرئاسية الحالية بمطالبات علنية عدة، خلت من أي كياسة، فقال – مثلاً – إن كندا لا بد أن تنتهي كدولة مستقلة، وتصير الولاية الرقم 51 ضمن الولايات المتحدة الأمريكية (!!) ثم سرعان ما صدم الحلفاء الأوروبيين صدمة أخرى.. عندما أخذ يلح علناً على ضرورة استيلاء الولايات المتحدة على جزيرة غرينلاند، التي تستقر في أقصى الشمال الغربي للكوكب، وتتبع مملكة الدنمارك.. إن طوعاً أو بالقوة (!!).

هذا كله، فضلاً عن عربدات أخرى.. طالت ما يُعد أهم مكونات القوة الناعمة الأوروبية، إذ تعوَّد ترامب – في الكثير من تعليقاته وتخرُّصاته العلنية – أن يستخف.. بحدة وبذاءة، بالكثير من قيم ومبادئ، يدَّعي الغربيون أنها تعكس التطور الحضاري الأوروبي، وأن أوروبا هي التي صدَّرتها للجماعة البشرية كلها، حتى صارت مبادئ وقيماً إنسانية عالمية مستقرة.. لا يجرؤ حتى أشد الساسة الفاشيين في العالم على الاستخفاف بها علناً، باستثناء دونالد ترامب.

ضمن هذا الفيض من العداء العلني الفظ.. لقيم ومبادئ، صارت حالياً من أهم سلة منجزات مسيرة التطور الإنساني، ويعتبرها النظام الرأسمالي الأوروبي – حتى وهو في طوره الإمبريالي – درة تاجه؛ مثل مبدأ حرية التعبير، وفي القلب منها حرية الصحافة.. التي اشتهر ترامب بأنه من أشد أعدائها؛ فكثيراً ما جهر بهذا العداء الذي طال، مع العديد من وسائل الإعلام الأمريكية، واحدة من أهم وسائل الإعلام الأوروبية.. ألا وهي مؤسسة «بي.بي.سي» البريطانية، التي خصَّها بالهجوم اللفظي العلني أكثر من مرة، ثم أقام دعوى قضائية ضدها أمام محكمة أمريكية في فلوريدا.. بطلب تعويض من المؤسسة البريطانية بمبلغ هائل مقداره 5 مليارات دولار.

تلك القائمة الطويلة من العربدة، لم تكن محصورة ضمن صعيد بعينه، وإنما انتشرت على كل الصعد، فعلى الصعيد الاقتصادي مثلاً، جعل ترامب الجمارك سلاحاً حربياً فتاكاً.. طال تقريباً كل دول العالم بما فيها دول الغرب الحليفة، وقد تمادى وتوسع في استعماله يومياً تقريباً.

لقد ثقلت موازين ترامب الجنائية بعشرات الجرائم؛ ابتداء من نقل الدعم الأمريكي اللامحدود للكيان الصهيوني العنصري المتوحش، إلى آفاق لم تصل إليها أي إدارة أمريكية من قبل، وتماهى تماماً مع حكومة العدو الأشد فاشية وإجراماً.. في كل التاريخ القذر لهذا الكيان؛ سواء بالمشاركة الفعلية في حرب الإبادة.. التي شنها العدو في غزة، أو القيام بتنفيذ ضربة عسكرية أمريكية مباشرة لإيران، وتهديدها حالياً بضربة أخرى، من دون أي سبب يخص مصالح الولايات المتحدة، سوى تنفيذ ما تريده حكومة نتنياهو.

توالت بعد ذلك جرائمه.. التي من أبرزها العدوان على فنزويلا، وإلقاء القبض على رئيسها الشرعي المنتخب وزوجته.. في تحدٍّ صارخ لكل القوانين والشرائع الدولية، بما فيها قوانين النظام الدولي الذي وضعته ـ كما أسلفنا ـ الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها، وإبداء الكراهية والاستهتار بالوعاء التنظيمي الأهم لهذا النظام.. أي «منظمة الأمم المتحدة»، التي ظلت هدفاً لادعاءات وسخافات ترامبية علنية. لكن الأمر لم يقف عند التشهير والعدوان اللفظي المتواتر على هذه المنظمة، لكنه تُوَّج عملياً بأكثر من 30 أمراً رئاسياً تنفيذياً أصدرها ترامب.. تقضي كلها بانسحاب الولايات المتحدة من عضوية عشرات المنظمات والمجالس الأممية المختلفة، وتشمل القائمة مؤسسات أممية مهمة من شاكلة «اليونسكو» و«مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان» و«صندوق الأمم المتحدة للسكان» وأخيراً «منظمة الصحة العالمية» وغيرها!

أمام هذه القائمة الطويلة من العربدات والجرائم، بدا واضحاً (لا سيما في الأسابيع الأخيرة) فشل كل آيات النفاق الرخيص – الذي اتبعته غالبية حكومات بلدان الغرب مع ترامب – في حصار أضراره وفيض أذاه.. الذي طالهم مع الآخرين، لذلك ليس من دون معنى ذلك الحج الجماعي الغربي إلى الصين مؤخراً، وهرولة دول أوروبية وغربية وازنة ومهمة في الأسابيع القليلة الماضية.. نحو هذا البلد، حتى إن رئيس الحكومة البريطانية وقع في بكين نهاية الشهر الفائت اتفاق «تعاون وشراكة استراتيجية مع الصين»؛ تشمل – بجانب الاقتصاد والتجارة – «التعاون الأمني» أيضاً (!!) 

وبالإجمال فقد شهدت الأسابيع الثلاثة الماضية زيارات قادة غربيين كثر إلى الصين؛ منهم رئيس وزراء أيرلندا، وملك إسبانيا، ورئيس الوزراء الفنلندي، ورئيس فرنسا، ورئيس الوزراء الكندي.

إضافة إلى ظاهرة الحج الجماعي الغربي لبكين، حدث أيضاً توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند.. بعد نحو 20 عاماً من المفاوضات.. التي أجراها الاتحاد مع نيودلهي، وقد أعطت السياسات الهوجاء لترامب.. زخماً كبيراً لهذه الاتفاقية وحثت الأوروبيين على التعجيل بإنجازها.

كما لا يخلو من معنى بليغ الدلالة أيضاً – على ما أحدثه ترامب داخل معسكره الإمبريالي – أن الدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي، بدأت حالياً بمناورة عسكرية ضخمة تقودها فرنسا.. وتستمر لشهرين، تحمل اسم «أوريون 26»، يشارك فيها نحو 12 ألف جندي.. ليس من بينهم جندي أمريكي واحد، في سابقة لم تحدث منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

الخلاصة… أن ترامب سيرحل بكل حمولته من الجرائم، لكن «شكل» العالم لن يعود كما كان قبله، ومع ذلك حذار من الإسراف في التفاؤل!.

نقلاً عن «عروبة 22»

شارك هذه المقالة